الترحال السياسي.. عندما تتحول الأحزاب إلى محطات عبور وتفقد الديمقراطية أحد شروطها

هاشتاغ _ الهزيتي محمد أنوار*

لقد حاول الدستور المغربي لسنة 2011 معالجة جزء من هذه الإشكالية عندما نص، في الفصل 61، على تجريد البرلماني من عضويته إذا تخلى عن الحزب الذي ترشح باسمه أثناء الولاية التشريعية. غير أن التجربة أظهرت أن الظاهرة لم تختفِ، وإنما غيّرت توقيتها. فإذا كان الانتقال داخل الولاية أصبح أكثر صعوبة، فإن الترحال انتقل إلى المرحلة السابقة للانتخابات، حيث لا يمنع القانون إعادة التموضع الحزبي قبل إيداع الترشيحات، وهو ما جعل موجات الانتقال تتركز في الأشهر التي تسبق كل استحقاق انتخابي.

وهنا تبرز المفارقة. فبينما كان الهدف من محاربة الترحال هو حماية الإرادة الشعبية واستقرار المؤسسات، أصبحت الأحزاب نفسها تدخل في سباق لاستقطاب المنتخبين الأكثر قدرة على جلب الأصوات، حتى وإن كانوا قادمين من أحزاب منافسة أو من مرجعيات متناقضة. وهكذا، تحولت المنافسة من التنافس حول الأفكار إلى التنافس حول «الخزان الانتخابي».

لكن أخطر ما يترتب عن هذه الظاهرة ليس فقط اهتزاز صورة الأحزاب، وإنما تعقيد عملية بناء أغلبية حكومية منسجمة. فالأغلبية لا تُبنى بالأرقام وحدها، بل تحتاج إلى حد أدنى من الانسجام السياسي والبرنامجي. وعندما تتشكل مكوناتها من أحزاب تعتمد، في جزء من قوتها، على استقطاب منتخبين انتقلوا من تنظيمات مختلفة، يصبح الحفاظ على التماسك الداخلي مهمة شاقة، ويغدو البرنامج الحكومي عرضة للتوازنات الظرفية أكثر من كونه تعبيرًا عن رؤية سياسية مشتركة.

وفي المقابل، لا تبدو المعارضة في وضع أفضل. فالمعارضة القوية ليست مجرد أقلية عددية داخل البرلمان، وإنما مؤسسة دستورية تؤدي وظائف الرقابة والمساءلة واقتراح البدائل. غير أن استمرار نزيف الكفاءات والمنتخبين، وتغير الخريطة الحزبية بشكل متكرر، يضعف قدرة الأحزاب المعارضة على بناء خطاب مستقر، ويجعلها في حالة دفاع دائم عن وجودها التنظيمي، بدل أن تتفرغ لممارسة دورها الرقابي.

ولعل أحد أبرز مظاهر الأزمة أن الحدود الفاصلة بين الأغلبية والمعارضة أصبحت أقل وضوحًا في نظر الرأي العام. فالأحزاب التي تتواجه انتخابيًا قد تجد نفسها متحالفة بعد أشهر، والفاعلون الذين كانوا يدافعون عن برامج متعارضة قد يجتمعون داخل التنظيم نفسه في الاستحقاق الموالي. ونتيجة لذلك، تتراجع قدرة المواطن على التمييز بين المشاريع السياسية، ويترسخ الانطباع بأن الاختلافات بين الأحزاب أصبحت مرتبطة بتدبير المواقع أكثر من ارتباطها باختلاف الرؤى.

ولا يتعلق الأمر، بطبيعة الحال، بظاهرة مغربية خالصة. فالترحال السياسي عرفته تجارب ديمقراطية عديدة، غير أن الفارق يكمن في قدرة المؤسسات الحزبية على احتواء هذه التحولات دون المساس باستقرار النظام السياسي. أما في السياق المغربي، فإن تكرار الظاهرة، وتزامنها مع ضعف الديمقراطية الداخلية داخل عدد من الأحزاب، واستمرار هيمنة الأعيان والفاعلين المحليين على عملية الترشيح، يجعل آثارها أكثر عمقًا على جودة التمثيل السياسي.

ومن هنا، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن ينحصر في تشديد العقوبات القانونية على الترحال، لأن القانون، مهما بلغت صرامته، لن يعالج أزمة سياسية ذات جذور تنظيمية وثقافية. فالإصلاح يبدأ من داخل الأحزاب نفسها: من شفافية اختيار المرشحين، وربط المسؤولية بالكفاءة، وتفعيل الديمقراطية الداخلية، وإعادة الاعتبار للبرنامج السياسي باعتباره أساس الانتماء، لا مجرد وثيقة انتخابية.

كما يقتضي الأمر مراجعة الثقافة السياسية السائدة، التي تجعل من «المرشح القادر على الفوز» معيارًا يتقدم على الالتزام الفكري والتنظيمي. فطالما ظل منطق الربح الانتخابي الفوري هو المحدد الأول لقرارات الأحزاب، فإن الترحال سيظل جزءًا من قواعد اللعبة، مهما تعددت النصوص القانونية.

وقبيل انتخابات 2026، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة طرح سؤال جوهري: هل المطلوب هو مجرد إنتاج أغلبية حكومية جديدة، أم بناء حياة حزبية قادرة على إنتاج أغلبية مستقرة ومعارضة قوية في الآن نفسه؟ فالديمقراطية لا تُقاس فقط بانتظام الانتخابات، بل أيضًا بقدرة الأحزاب على تمثيل اختيارات واضحة، وبقدرة الناخب على معرفة ما الذي يصوت له، ومن سيحاسبه إذا أخلف وعوده.

إن التحدي الذي يواجه المغرب اليوم لا يكمن في الحد من انتقال الأشخاص بين الأحزاب فحسب، بل في الانتقال من سياسة الأشخاص إلى سياسة المؤسسات، ومن منطق الولاءات الانتخابية إلى منطق المشاريع السياسية. فبدون أحزاب مستقرة، يصعب بناء أغلبية متماسكة، وبدون معارضة مؤسساتية قوية، تفقد الديمقراطية أحد أهم آليات توازنها ورقابتها. وفي هذا السياق، قد تكون انتخابات 2026 اختبارًا ليس فقط لقدرة الأحزاب على الفوز بالمقاعد، وإنما لقدرتها، قبل ذلك، على استعادة ثقة المواطنين في السياسة ذاتها.

*خبير في التنمية الترابية وعضو المعهد الدولي للعلوم الإدارية

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك