أخرجت حملة المكتب الوطني المغربي للسياحة في لاس فيغاس ملف الترويج الخارجي إلى دائرة المساءلة، بعدما اصطدمت صورة المغرب البراقة في أمريكا بواقع سياحة داخلية يعاني فيها المواطن من غلاء الإقامة والتنقل والمطاعم وضعف العرض الصيفي.
وتطرح هذه الحملة أسئلة مباشرة حول مردودية الإنفاق الإشهاري الضخم، وحول قدرة المكتب الوطني المغربي للسياحة على ربط الحملات الخارجية بنتائج ملموسة داخل القطاع، في وقت تجد فيه أسر مغربية كثيرة نفسها عاجزة عن قضاء عطلة صيفية داخل المدن الساحلية بسبب الغلاء وتراجع جودة الخدمات.
ففي الوقت التي اختار فيه المكتب الوطني المغربي للسياحة تعليق صورة المغرب فوق واحدة من أكبر الواجهات الرقمية في العالم، كانت عائلات مغربية تبحث عن إقامة مناسبة داخل أكادير أو طنجة أو الحسيمة أو مراكش أو تطوان أو الداخلة، لتصطدم بأسعار مرتفعة وعروض محدودة وخدمات لا توازي الخطاب الرسمي حول الوجهة العالمية.
وفي هذا الصدد تقول مصادر مهنية لموقع “هاشتاغ” أنه لا يمكن أن يتحول الترويج الخارجي إلى واجهة براقة تخفي أعطاب السياحة الداخلية، لاسيما مع استمرار ارتفاع كلفة الإقامة والتنقل والمطاعم خلال فصل الصيف، وغياب مراقبة فعالة للأسعار، وضعف تجهيز عدد من الفضاءات السياحية والشواطئ بالمرافق الأساسية.
ويزداد الضغط على المكتب الوطني المغربي للسياحة مع تزايد توجه عدد من المغاربة نحو إسبانيا لقضاء عطلة الصيف، بحثا عن عروض واضحة وأسعار معلنة وخدمات منظمة. وهو ما يطرح سؤالا حادا حول قدرة العرض السياحي الداخلي على منافسة وجهات قريبة أصبحت، في نظر كثيرين، أقل كلفة وأوضح من حيث الخدمات.
ومع كل حملة خارجية ضخمة، يعود سؤال الصفقات إلى لإثارة الجدل مم جديد: كم كلفت حملة لاس فيغاس؟ من هي الشركات والوكالات المستفيدة؟ بأي معايير جرى الاختيار؟ ما الأسواق المستهدفة؟ وما عدد الحجوزات المنتظرة؟ وهي أسئلة تضع الـONMT أمام مطلب الشفافية وربط المال العمومي بالأثر الفعلي.
ووجهت ذات المصادر المهنية المتحدثة لموقع “هاشتاغ” انتقادات حادة حول طريقة تدبير بعض صفقات الإشهار السياحي، وسط مطالب بنشر العقود واللوائح والكلفة ومؤشرات المردودية، لقطع الطريق أمام كل حديث عن دوائر مغلقة وشركات محظوظة تستفيد من كعكة الترويج الخارجي دون كشف واضح للنتائج.
وترى ذات المصادر، أن نجاح أي حملة سياحية لا يقاس بحجم الشاشة أو شهرة المنصة، وإنما بعدد الحجوزات، وحجم العائدات، وارتفاع الليالي السياحية، وتوسيع الربط الجوي، وتحسين صورة الوجهات الداخلية لدى السائح المغربي قبل الأجنبي.
وتبقى السياحة الداخلية نقطة ضعف كبرى في هذه المعادلة، إذ لا معنى لصورة المغرب فوق واجهة عملاقة في أمريكا إذا كان المواطن المغربي عاجزا عن الاستمتاع ببلده بسبب أسعار الإقامة، وضعف الخدمات، وفوضى بعض العروض الموسمية.
ويطالب مهنيون بفتح نقاش صريح حول سياسة المكتب الوطني المغربي للسياحة في الترويج، مع اعتماد مؤشرات واضحة لكل حملة خارجية، تشمل الكلفة، الأهداف، الأسواق، عدد الحجوزات، العائد المتوقع، ونصيب الجهات المغربية من هذا الإنفاق.
وتؤكد هذه الانتقادات أن السياسة السياحية الناجحة تبدأ من الداخل، عبر حماية السائح المغربي من جشع الأسعار، وفرض شفافية على الوحدات السياحية، وتأهيل الشواطئ، وخلق عروض عائلية واقعية، ودعم الجهات التي تملك الطبيعة والتاريخ وتفتقد الترويج.
وفي انتظار خروج المكتب الوطني المغربي للسياحة بكشف حساب واضح حول حملة لاس فيغاس، تبقى الأسئلة معلقة: كم صرف؟ من استفاد؟ ما النتائج المنتظرة؟ وكيف يمكن إقناع المغاربة بصورة براقة في الخارج، بينما عطلة الصيف داخل الوطن تتحول إلى عبء ثقيل على جيوب الأسر؟