اعتبر تقرير بحثي صادر عن مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد (Policy Center for the New South) أن تجاوز التوتر القائم بين المغرب والجزائر يقتضي اعتماد مقاربة تقوم على “المصالحة التدريجية”، بدل الاكتفاء بإدارة الخلافات، مؤكدا أن استمرار القطيعة بين البلدين يفاقم الكلفة السياسية والاقتصادية والأمنية على المنطقة المغاربية.
وأوضح التقرير، الذي أعده الباحثان فدوى العماري ورضا لياموري ونشر خلال يوليوز 2026، أن الخلاف بين الرباط والجزائر لا يرتبط حصرا بقضية الصحراء، وإنما نتج عن تراكمات تاريخية واعتبارات أمنية وسياسية متداخلة، جعلت العلاقة بين البلدين قائمة على انعدام الثقة لعقود.
ورصد التقرير ثلاث محطات اعتبرها مفصلية في مسار العلاقات الثنائية، تتمثل في حرب الرمال سنة 1963، ثم إغلاق الحدود البرية سنة 1994 عقب اعتداء مراكش، وأخيرا قطع العلاقات الدبلوماسية سنة 2021، قبل أن تعيد الجزائر فرض التأشيرة على المواطنين المغاربة سنة 2024، معتبرا أن هذه التطورات كرست حالة القطيعة وأدت إلى شلل اتحاد المغرب العربي.
وأشار الباحثان إلى أن سنوات الألفية الثالثة لم تحمل انفراجا حقيقيا، بل استمرت العلاقة في إطار ما وصفاه بـ”التجميد الصراعي”، في ظل تصاعد الإنفاق العسكري وتعاظم حضور المقاربة الأمنية، وهو ما رسخ حالة من الشك المتبادل بين البلدين.
وفي المقابل، أبرز التقرير أن المغرب حافظ، عبر خطابات الملك محمد السادس، على سياسة “اليد الممدودة” تجاه الجزائر، والتي جرى التأكيد عليها في خطابات أعوام 2018 و2021 و2022 و2025، باعتبارها توجها يجمع بين التشبث بالثوابت الوطنية والانفتاح على الحوار.
واستند التقرير إلى معطيات سبق أن نشرها صندوق النقد الدولي سنة 2019، والتي تفيد بأن المبادلات التجارية بين دول المغرب العربي لا تتجاوز 5 في المائة من إجمالي تجارتها الخارجية، ما يجعل المنطقة الأقل اندماجا اقتصاديا على الصعيد العالمي، معتبرا أن استمرار القطيعة ينعكس سلبا على التنسيق الإقليمي والقدرة الجماعية على مواجهة تحديات شمال إفريقيا ومنطقة الساحل.
وحذر الباحثان من ثلاثة مخاطر رئيسية في حال استمرار الوضع الحالي، تتمثل في تحول القطيعة الدبلوماسية إلى وضع اعتيادي، وتصاعد الطابع الأمني في العلاقات الثنائية، وتراجع قدرة دول المغرب العربي على لعب أدوار مؤثرة في الملفات الإقليمية والإفريقية.
واقترح التقرير سبعة شروط لتهيئة مناخ المصالحة، تشمل اتخاذ قرار سياسي بخفض التوتر، والتدرج في تقليص المقاربة الأمنية، وإحياء قنوات التعاون المؤسساتي، وتسهيل تنقل الأشخاص، والانخراط في مصالحة مرتبطة بالذاكرة التاريخية، واعتماد مقاربة منفصلة لمعالجة قضية الصحراء، مع مواكبة دولية متوازنة.
كما اعتبر أن إعادة فتح الحدود البرية، ولو بشكل جزئي ولأغراض إنسانية أو عائلية أو جامعية، يمكن أن تشكل بداية عملية لإعادة بناء الثقة بين البلدين، وأن تحمل دلالة سياسية تتجاوز بعدها العملي.
واقترح التقرير خارطة طريق من ثلاث مراحل، تبدأ بإطلاق قنوات تقنية وآليات لتدبير الحوادث وتسهيل الحالات الإنسانية، ثم الانتقال إلى تعاون في مجالات الصحة والمناخ والمياه والكوارث الطبيعية والأمن الصحي، قبل الوصول إلى بناء إطار دائم للعلاقات يقوم على معالجة الملفات الخلافية بشكل تدريجي وتعزيز الثقة بين الجانبين.
وأشار التقرير أيضا إلى أن المشاورات متعددة الأطراف التي احتضنتها مدريد في فبراير 2026، بمشاركة الأمم المتحدة والمغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا، أكدت استمرار حضور الجزائر كفاعل أساسي في المحيط الدبلوماسي لقضية الصحراء، دون أن تشكل في حد ذاتها مؤشرا على انفراج في العلاقات الثنائية بين الرباط والجزائر.
وختم الباحثان بالتأكيد على أن “الواقعية الإقليمية” لم تعد تكمن في استمرار إدارة الخلاف بين البلدين، وإنما في تهيئة الشروط السياسية والمؤسساتية والإنسانية الكفيلة بفتح مسار تدريجي نحو المصالحة.