يبرز المغرب مجددا كفاعل دبلوماسي وأمني في منطقة الشرق الأوسط، بعد انضمامه كعضو مؤسس إلى “مجلس السلام” المكلف بإدارة مرحلة ما بعد الحرب في قطاع غزة، في إطار مبادرة دولية تقودها الولايات المتحدة لإرساء الاستقرار وإطلاق جهود إعادة الإعمار.
ويشكل هذا الانخراط امتدادا للدور التاريخي الذي اضطلع به المغرب في الوساطة داخل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، حيث بات المملكة شريكا أساسيا في تنزيل خطة السلام الأمريكية متعددة المحاور، الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار وإعادة بناء القطاع المتضرر من الحرب.
وخلال الاجتماع التأسيسي الأول للمجلس، الذي انعقد مؤخرا بمشاركة نحو خمسين دولة بينها 19 عضوا مؤسسا، تم وضع اللبنات الأولى لآلية دولية جديدة تتولى الإشراف على تثبيت السلام وإعادة الإعمار، في سياق دولي يتسم بتباين المواقف، خاصة في ظل تحفظ عدد من الدول الأوروبية على المبادرة خشية تأثيرها على أدوار الأمم المتحدة.
ويعد تثبيت الاستقرار في غزة المهمة الرئيسية للمجلس الجديد، الذي يعوّل عليه لإدارة المرحلة الانتقالية والإشراف على برامج إعادة الإعمار، في وقت تم فيه تعبئة أكثر من 17 مليار دولار لتمويل هذه الجهود، ساهمت الولايات المتحدة بجزء كبير منها، إلى جانب مساهمات دولية من بينها المغرب ودول خليجية، دون الكشف عن حجم المساهمة المغربية.
ويمثل المغرب في هذه المبادرة وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، الذي أكد التزام المملكة بالمساهمة في برامج إعادة الاستقرار، بما يشمل مبادرات نزع التطرف والتأهيل المدني، فضلا عن دعم الجهود الأمنية والإنسانية.
وفي هذا السياق، يشارك المغرب ضمن قوة دولية متعددة الجنسيات مكلفة بالحفاظ على السلام في غزة، من خلال نشر ضباط رفيعي المستوى ومؤطرين ميدانيين، إضافة إلى إحداث مستشفى عسكري ميداني لتقديم الخدمات الطبية للسكان، في امتداد للمبادرات الإنسانية التي سبق أن أطلقها خلال فترات سابقة من التوتر في القطاع.
كما يرتقب أن يساهم خبراء مغاربة في تكوين عناصر الشرطة المحلية ضمن ترتيبات أمنية جديدة تهدف إلى تأمين المرحلة الانتقالية بعد الحرب، إلى جانب مشاركة القوات المسلحة الملكية في قوة استقرار متعددة الجنسيات قد يصل قوامها إلى نحو 20 ألف جندي.
ويأتي هذا الانخراط في سياق رؤية مغربية تقوم على دعم الاستقرار الإقليمي وتعزيز فرص التسوية السياسية، استنادا إلى حل الدولتين باعتباره الإطار الكفيل بإرساء سلام دائم وشامل.
كما يعكس التزام المملكة بمواصلة دورها التقليدي في دعم القضية الفلسطينية، سواء عبر الوساطة السياسية أو من خلال لجنة القدس التي يرأسها صاحب الجلالة الملك محمد السادس.
ورغم التحديات المرتبطة بهشاشة وقف إطلاق النار وتعقيدات المشهد الأمني والسياسي في غزة، فإن التحركات الدولية الجارية تعكس توجها نحو تهيئة الظروف لإعادة الإعمار وإطلاق مرحلة جديدة من الاستقرار، في مسار يظل رهينا بتوازنات ميدانية وسياسية دقيقة.