لم يمر إعلان تخصيص أزيد من 8 ملايير درهم لتنفيذ الاستراتيجية الوطنية للسلامة الطرقية 2026–2030 مرور الكرام، بل فجّر موجة انتقادات حادة طالت وزارة النقل واللوجستيك والوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، في ظل استمرار أرقام مقلقة للوفيات والإصابات، خصوصا في صفوف مستعملي الدراجات النارية الذين يمثلون نحو 45 في المائة من الضحايا خلال سنة 2025.
وفي هذا الصدد، اعتبر عبد الإله الحكوني، خبير في السلامة الطرقية، في تصريح لموقع “هاشتاغ” أن “الحديث عن استراتيجيات جديدة بميزانيات ضخمة يفقد معناه حين تغيب المحاسبة الصريحة عن حصيلة المرحلة السابقة”.
وأضاف أن “السؤال السياسي الحقيقي اليوم ليس كم سنصرف، بل ماذا حققنا منذ 2017، ولماذا لا تزال الطرق المغربية تحصد هذا العدد من الأرواح رغم كل الخطط المعلنة”.
ولم يُخف الحكوني انتقاده لأداء الوزارة ووكالة نـارسا، قائلا إن “تعدد الاستراتيجيات منذ 2004 خلق انطباعا بوجود دينامية إصلاح، غير أن النتائج الميدانية لا تعكس التحول الموعود”.
وأوضح أن “نـارسا تحولت إلى جهاز تنفيذي يركز على الحملات والمراقبة، بينما يظل إصلاح البنية التحتية، وتأهيل الفضاء الحضري، ومعالجة جذور الفوضى المرورية خارج المعالجة الشاملة”.
ويرى الخبير أن الإشكال يتجاوز الجانب الزجري، مشيرا إلى أن “تضخيم أرقام حجز الدراجات أو تحرير المخالفات لا يعوض غياب رؤية مندمجة تعالج أسباب انتشار التنقل الهش، وضعف النقل العمومي، وغياب مسارات آمنة للدراجات”.
واعتبر أن “تحميل المسؤولية لمستعملي الطريق وحدهم يتهرب من مساءلة السياسات العمومية في التخطيط الحضري وتوزيع الاستثمارات”.
كما انتقد الحكوني ما وصفه بـ”غياب الشفافية في نشر مؤشرات التقييم المرحلي”، متسائلا عن “مدى التزام الوزارة بنشر تقارير دورية توضح أين صرفت الاعتمادات السابقة وما نسبة تحقيق الأهداف المعلنة”.
وأكد أن “أي استراتيجية جديدة دون ربط صارم بين الميزانية والنتائج السنوية المحددة سلفا ستبقى إطارا نظريا أكثر منها آلية إنقاذ فعلي”.
وبينما تؤكد وزارة النقل واللوجيستيك أن المخطط الجديد يقوم على تحديد الأدوار ومؤشرات التتبع والتقييم، يرى متابعون أن الامتحان الحقيقي يبدأ الآن، في قدرة الحكومة على تحويل 8 ملايير درهم إلى انخفاض ملموس في عدد القتلى والجرحى، بدل الاكتفاء بتكرار خطاب التخطيط المندمج والحكامة المنسقة.
الرهان، وفق عبد الاله الحكوني، “سياسي قبل أن يكون تقنيا، لأن استمرار نزيف الأرواح رغم تعاقب الاستراتيجيات يضع وزارة النقل ووكالة نـارسا أمام مسؤولية مباشرة في تقييم اختياراتهما وتدبيرهما لهذا الورش الحساس”.