محللو كل شيء في مملكة المحللين

يفتح المغربي هاتفه صباحاً، فيجد جيشاً من الخبراء قد حسم السياسة والاقتصاد والدستور والحروب وكرة القدم والطب قبل أن ينهي فنجان قهوته. لا وثائق، لا بحث، لا انتظار للمعطيات؛ الرأي جاهز، والحكم محسوم، والصوت مرتفع، والكاميرا مفتوحة. هكذا تحولت منصات التواصل إلى مقاهٍ رقمية كبرى، وصار كل صاحب هاتف يقدّم نفسه مرجعاً، وكل صاحب بث يوزع اليقين على الناس كما لو أن الحقيقة تقيم في حسابه وحده.

في زمن سابق، كان محلل المقهى يدير العالم من طاولة صغيرة، ثم ينتهي كلامه مع آخر كأس شاي. أما اليوم، فقد خرجت الطاولة إلى الشاشة، وصار للكلام جمهور وأرباح وإعلانات. أستاذ جامعي يغادر اختصاصه ليصدر الأحكام في الأمن والدبلوماسية والرياضة، وصحفي يترك التحقق ليرتدي لباس الخبير الموسوعي، وإعلامي يخلط الرأي بالمعلومة، ومؤثر يعتقد أن عدد المتابعين يمنحه شهادة في كل العلوم.

وقد ينشر أحدهم تدوينة صباحية بنبرة من اكتشف الحقيقة، ثم يعود بعد الظهر لينقضها، قبل أن يظهر ليلاً في بث مباشر يهدم الموقفين معاً بالقوة ذاتها. وآخر يصور فيديو يدافع فيه عن قضية، ثم يفتح بثاً مساءً ليهاجم ما قاله قبل ساعات، من دون تفسير أو مراجعة أو اعتذار. يتصرف هؤلاء كأن الجمهور بلا ذاكرة، وكأن التسجيلات تتبخر، وكأن الكلمات تنتهي بانتهاء البث.

عند هذه الفئة، لا تعيش القناعة طويلاً، والرأي يتحرك وفق اتجاه التفاعل وحجم العائد والمنصة المستضيفة. يتغير الجمهور فتتغير اللغة، وتفتح قناة خارجية أبوابها فيظهر موقف جديد يناسبها، وتتحرك دولارات المنصات فيتحول التحليل إلى خدمة مدفوعة. وحين تصبح الخوارزمية رئيسة للتحرير، يصير الصراخ أسرع من البحث، والخصومة أكثر ربحاً من المعرفة، والمبالغة طريقاً مضموناً نحو الانتشار.

المغرب يعيش تخمة في الأصوات وندرة في أصحاب المعرفة. الجميع يتحدث، والجميع يحاكم، والجميع يوزع شهادات الوطنية والكفاءة والفشل من خلف شاشة صغيرة. أما التحليل الحقيقي فيحتاج إلى معرفة وحجة وتواضع وقدرة على الاعتراف بالخطأ. وبين تدوينة الصباح، ونقيضها بعد الزوال، وبث الليل الذي يدفنهما معاً، تستمر الحفلة وتبقى المواقف معروضة للبيع لمن يملك منصة أوسع وعائداً أكبر.

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك