كان سؤالا عاديا ومتوقعا ذاك الذي طُرح مساء يوم الخميس 23 أبريل الجاري، في برنامج “للحديث بقية” على القناة الأولى، لكن الجواب كان مهيأ بعناية، بل كان متلقي السؤال مستعدا لرمي الإرسال أبعد مما توقعه طارح السؤال.
فحوى السؤال الذي تلقاه الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إدريس لشكر، ضمن البرنامج الحواري كان متعلقا بالاستغال بطرق تقليدية والاحتفاظ بنفس القيادات الحزبية.
سؤال لا تمل الصحافة من طرحه، فكان أن ضَجِر ادريس لشكر من محاصرته دائما في كل حين؛ لماذا تريد الموت على كرسي الكتابة الأولى؟.
الضجر، قاد ادريس لشكر للمطالبة بـ”نتيكو الكارطة فالبلاد”، معتبرا أن المتحكمين في المؤسسات الساهرة على ثروات والمؤسسات الاقتصادية قابعون بنفس مكان التحكم الاقتصادي منذ خمسين سنة، ولا يجد الناس من يطالبونهم بالرحيل سوى بين المستضعفين من الأحزاب السياسية التي اختارت قيادتها بكل حرية.
وقال ادريس لشكر بالحرف: “ثروات المغرب فيد مؤسسات وشركات ديال الدولة.. موجودين فيها الناس خمسين عام هادي.. وهم يسيرونها.. ومجالس إداريتها.. هاد الواقع لا يهمك.. لي فيه سلطة القرار الاقتصادي.. يهمك فقط هاد الضعف هاد المجموعة ديال الاتحاديين لما يختارون قياداتهم.. تعيبون عليهم هذا الأمر.. طرح الاشكال فالبلاد كما يجب أن يطرح.. راه مشكيل كبير التغاضي غن المشاكل الحقيقية ديال البلاد.. والي بنك المغرب حنا مطمئنين وهو فهاد السن.. نحن مطمئنين لتسييره.. وأحيانا المهام الصعبة فهاد البلاد والمهام التسييرية قد تتطلب النضج.. فاش كتجيو للأحزاب كتقولو لهم تيْكُو الكارطا.. يوا نتيْكوها كاملة فالبلاد..”
ادريس لشكر طبعا لم يُشمل في حديثه عن المعمرين مستضيفه فيصل العرايشي رئيس الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزةالمغربية، وذاك ربما من لباقة الضيوف، وكأن التحكم في الإعلام أقل شأنا من التحكم في الاقتصاد.
يتقن ادريس لشكر المزايدات ورفع “البارا” في وقت تضيق فيه الأنفس، حرفة متقنة وتقريبا مسجلة باسمه، لكنه هذه المرة، اختار أن يرفع سقف “ابتزازه” ليوصله حيث لا يجب أن يصل وحيث لا يجب أن يمارس هوايته القذرة.
باختصار طالب ادريس لشكر أن يتساوى وضعه مع من يعينهم الملك في مؤسسات البلاد الاستراتيجية وإن كانت رغبة الدولة أن تزيح عنه رغبته في الالتصاق بكرسي الكاتب الأول، ما عليها سوى أن تضرب الدستور عرض الحائط وأن تساوى الكتابة الأولى لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بادارة المكتب الوطني الشريف للفوسفاط وبنك المغرب وأن تفكر ألف مرة في ذلك.
يعلم الجميع أن من ساوى اديس لشكر نفسه بهم، تخضع مسطرة تعيينهم لمقتضيات الفصل 49 من الدستور وتتم التداول بشأنها في المجلس الوزاري الذي يترأسه الملك بناء على اقتراح من رئيس الحكومة وبمبادرة من الوزير المعني.
ومعلوم كذلك أن القانون التنظيمي رقم 02.12 والمعدل بانتظام يحدد لائحة هذه المؤسسات، التي تكتسي طابعا حيويا للدولة، وتشمل القطاعات السيادية والخدماتية والتنموية، كقطاعات الطاقة النقل الماء والكهرباء والمكاتب الوطنية الكبرى، والشركات المساهمة التي تملك فيها الدولة مساهمات مباشرة ومؤثرة، والوكالات الوطنية المستحدثة التي تعنى بمهام استراتيجية مثل التدبير الرقمي أو الاستثمار أو التنمية المجالية.
في خلاصة مداخلته، بدا إدريس لشكر وكأنه يطمح إلى ترقية مقر حزبه بشارع “العرعار” إلى مصاف مؤسسات السيادة، في خلط لافت بين العمل الحزبي ومنطق الدولة.
وبهذا المنطق لا يبقى أمام البلاد، إن أرادت مسايرة هذا المزاج السياسي الرفيع، سوى أحد خيارين: إما فتح ورش تعديل دستوري على المقاس، يُدرج تعيين مسؤولي المؤسسات الاستراتيجية ضمن مشاورات الأحزاب، حتى لا يشعر أحد بأنه خارج دائرة الضوء، أو الذهاب إلى حل أكثر براغماتية عبر إعادة تفصيل القوانين المؤطرة لهذه المؤسسات، وتقليص أدوارها ثم وضعها تحت مجهر الأمناء العامين للأحزاب.
وفي الحالتين يبدو أن المقترح يراهن على إعادة توزيع الأدوار بشكل يجعل من المؤسسات السيادية رقما ضمن لعبة التوازنات الحزبية، حيث تختلط أوراق الدولة بأوراق السياسة، وتتحول ملفات التدبير العمومي إلى ما يشبه طاولة نقاش مفتوحة أو ربما طاولة لعب، حيث الحظ أحيانا أقوى من المؤسسات.