أسرار الصعود الصناعي المغربي.. كيف تحولت المملكة إلى منصة عالمية للطيران والسيارات؟

لم يكن صعود المغرب داخل خريطة الصناعة العالمية وليد ظرف اقتصادي مؤقت أو نتيجة استثمارات متفرقة، وإنما ثمرة رؤية ملكية امتدت على مدى سبعة وعشرين عاما، واختارت بناء مقومات الدولة الصناعية قبل طرق أبواب الشركات الكبرى. رؤية قامت على تجهيز البنيات التحتية، وتأهيل الموارد البشرية، وربط الموانئ بالمصانع والأسواق الدولية، إلى أن تحولت المملكة إلى منصة إنتاجية تنافس داخل قطاعات دقيقة مثل الطيران والسيارات.

الأرقام المسجلة خلال سنة 2024 تكشف حجم التحول الذي حققه المغرب. فقد بلغت صادرات صناعة الطيران 26.4 مليار درهم، مع نسبة اندماج محلي تجاوزت 40 في المئة، واستقرار أكثر من 150 شركة وفرت أزيد من 24 ألف فرصة عمل ذات تأهيل مرتفع. وفي قطاع السيارات، وصلت القدرة الإنتاجية إلى نحو 700 ألف مركبة سنويا، ليترسخ القطاع في صدارة صادرات المملكة.

سر هذا النجاح يكمن في اقتناع الدولة بأن الاندماج داخل سلاسل القيمة العالمية قد يفوق امتلاك المواد الأولية أهمية، وأن جذب الاستثمارات الصناعية يحتاج إلى أرض مجهزة وشبكات نقل وطاقة ومياه وموانئ قادرة على تلبية حاجيات المستثمر قبل وصوله. لذلك اختار المغرب بناء القاعدة الصناعية مسبقا، عوض انتظار الشركات ثم البحث عن حلول متأخرة لمتطلباتها.

فإنشاء مصنع عصري يبدأ قبل وضع أول حجر في بنايته، عبر الدراسات الجيوتقنية والجيولوجية والهيدرولوجية والمناخية والبيئية، وتحليل المخاطر الطبيعية، ثم إنجاز الطرق والسكك الحديدية والموانئ وشبكات الطاقة والمياه ومعالجة السوائل الصناعية. أما مرحلة البناء، فتتطلب أساسات قادرة على تحمل معدات دقيقة وثقيلة، وأرضيات تستجيب لمعايير هندسية صارمة تؤثر مباشرة في جودة خطوط الإنتاج وتنافسية المصنع.

هذا التخطيط تجسد بوضوح على المحور الممتد من طنجة إلى القنيطرة فالدار البيضاء، حيث تتركز الكثافة الصناعية الكبرى، إلى جانب الجامعات وشبكات الطرق السيارة والسكك الحديدية. ويقف ميناء طنجة المتوسط في صلب هذه المنظومة بطاقة مناولة تقارب عشرة ملايين حاوية سنويا، وربط مباشر بمئات الموانئ العالمية.

وجود هذا الميناء غيّر معادلة الاستثمار الصناعي بالمغرب، بعد أن اختصر زمن نقل البضائع ورفع موثوقية سلاسل الإمداد، وساهم في نشوء منظومة متكاملة لصناعة السيارات تضم مئات المقاولات المتخصصة في الأسلاك الكهربائية وأجزاء الهياكل والمكونات البلاستيكية والأنظمة الإلكترونية والمقاعد.

واستفادت المملكة أيضا من التحولات الجيوسياسية والأزمات الصحية والاضطرابات التي أصابت التجارة الدولية، والتي دفعت الشركات العالمية إلى البحث عن مواقع مستقرة وقريبة من أوروبا. وبفضل موقعه الجغرافي واتفاقياته التجارية وشبكاته اللوجستية، تمكن المغرب من تقديم نفسه بوصفه خيارا صناعيا موثوقا داخل الحوض المتوسطي.

أما صناعة الطيران، فلم تبدأ من فراغ. فقد ظهرت نواتها الأولى سنة 1958 مع إحداث ورشات صيانة الطائرات التابعة للخطوط الملكية المغربية بالدار البيضاء، قبل أن تأخذ منحى جديدا ابتداء من نهاية تسعينيات القرن الماضي.

وفي سنة 1999، تأسست شركة «SMES» لخدمات المحركات بشراكة مع «سنيكما»، التي تحمل حاليا اسم «سافران». وبعد سنتين، أُحدثت شركة «ماتيس أيروسبيس» بشراكة بين «سافران» و«بوينغ» والخطوط الملكية المغربية لتصنيع الأحزمة وأنظمة الأسلاك، ما فتح أبواب سلاسل التوريد العالمية أمام الصناعة المغربية.

وخلال سنة 2004، أطلق مخطط «إقلاع» الذي صنف الطيران ضمن المهن العالمية للمغرب، تلاه إحداث مجموعة الصناعات المغربية للطيران والفضاء سنة 2006. وتوسعت استثمارات «سافران» عبر وحدات للأنظمة الكهربائية بعين عتيق، والهياكل المركبة بالنواصر، والخدمات الهندسية بالدار البيضاء.

وتعزز المسار بالميثاق الوطني للإقلاع الصناعي سنة 2009، ثم مخطط تسريع التنمية الصناعية سنة 2014، الذي نظم قطاع الطيران داخل منظومات تشمل المحركات والأسلاك والتجميع والهندسة والصيانة والإصلاح والمركبات.

كما وسعت «إيرباص» حضورها عبر فرع «إيرباص أتلانتيك» المتخصص في إنتاج هياكل الطائرات بالنواصر، بالتوازي مع توافد شركات دولية أخرى وجدت في المغرب قاعدة ملائمة للصناعة الدقيقة.

ولأن المصانع المتطورة تحتاج إلى كفاءات مؤهلة، استثمرت المملكة في تكوين الموارد البشرية عبر تأسيس معهد مهن الطيران بالدار البيضاء سنة 2011، ثم تدشين المعهد المتخصص في مهن الطيران ولوجستيك المطارات سنة 2013.

وفي السنة نفسها، افتتحت منطقة التسريع الصناعي «ميدبارك الدار البيضاء»، التي تحولت إلى فضاء صناعي يحتضن شركات عالمية من قبيل «سافران» و«سبيريت إيروسيستمز» و«هيكسل» و«إيرباص» و«برات آند ويتني» و«تاليس».

وتواصلت الدينامية سنة 2016 بتوقيع بروتوكول إحداث منظومة صناعية متكاملة لشركة «بوينغ»، بهدف جذب مورديها الرئيسيين إلى المغرب، قبل أن تنضم إلى القطاع شركات أخرى من بينها «سابكا ماروك» و«هوتشينسون» و«فيجياك آيرو» و«تريلبورغ».

وفي سنة 2021، وقعت «سابكا» و«بيلاتوس» عقدا للتجميع شبه النهائي لهياكل طائرات «PC-12»، ثم أبرم اتفاق مع «كولينز إيروسبيس» سنة 2022 لتطوير منظومة توريد جديدة. وفي سنة 2023، أُحدثت منظومة خاصة بـ«سافران» لتطوير سلسلة توريد المحركات ودعم برامج التكوين والبحث.

واكتسبت الصناعة الجوية زخما جديدا بتوقيع بروتوكول لإنشاء موقع لصيانة وإصلاح محركات الطائرات، في مؤشر على انتقال المغرب من تصنيع المكونات إلى أنشطة دقيقة تحتاج إلى خبرات تكنولوجية وهندسية متقدمة.

المرحلة المقبلة تبدو أكثر تعقيدا، إذ يتجه العالم نحو السيارات الكهربائية والبطاريات والطيران منخفض الانبعاثات والذكاء الاصطناعي والرقمنة الصناعية. وهي تحولات تفرض على المغرب الانتقال من إنتاج السلع إلى إنتاج المعرفة، وتطوير مراكز البحث، ورفع نسبة التصميم الهندسي المحلي، وربط الجامعات بالمقاولات الصناعية.

وستساهم مشاريع ميناء الناظور غرب المتوسط وميناء الداخلة الأطلسي وتوسعة شبكة السكك الحديدية والاستثمار في الهيدروجين الأخضر في إعادة توزيع الخريطة الصناعية ومنح الواجهة الأطلسية دورا أكبر داخل الاقتصاد الوطني.

التحدي الحقيقي خلال العقدين المقبلين يتمثل في تحويل المغرب من قاعدة تصنع لفائدة الشركات الدولية إلى دولة تبتكر وتطور الحلول وتصدر المعرفة التكنولوجية. فالرهان المقبل لن يُحسم بعدد المصانع وحده، وإنما بحجم ما ينتجه المغرب من تصميم وهندسة وبحث وابتكار.

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك