تدخل جبهة البوليساريو مرحلة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، بعدما كشفت تحركاتها الأخيرة حجم المأزق الذي يطوقها، في ظل توسع الدعم الدولي للمقاربة المغربية القائمة على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وتراجع قدرة الخطاب الانفصالي على التأثير داخل النقاش الأممي والدبلوماسي.
التصعيد في هذه المرحلة يعبر عن ارتباك واضح أمام تحولات دولية متسارعة، جعلت الأطروحة الانفصالية تفقد مساحات واسعة من حضورها السابق. فكل تقدم تحققه مبادرة الحكم الذاتي داخل دوائر القرار الدولي يدفع الجبهة نحو سلوك أكثر توترا، في محاولة لتعويض الخسائر الدبلوماسية بتحركات ميدانية عالية الكلفة.
لقد أصبحت مبادرة الحكم الذاتي، خلال السنوات الأخيرة، قاعدة مركزية لأي نقاش جدي حول مستقبل النزاع. فالعواصم المؤثرة تبحث اليوم عن حل واقعي قابل للتطبيق، يحفظ الاستقرار الإقليمي، ويضمن مصالح السكان، ويفتح للمنطقة أفقا سياسيا وتنمويا واضحا بعد عقود من الجمود.
في المقابل، تجد البوليساريو نفسها أمام تضييق دبلوماسي متواصل. خطابها التقليدي فقد جزءا كبيرا من قدرته على الإقناع، وحساباتها القديمة تتراجع أمام واقع دولي جديد عنوانه الواقعية السياسية، واحترام سيادة الدول، والبحث عن تسويات عملية قابلة للحياة.
إن المنطقة لم تعد تحتمل مزيدا من المغامرات. فالساحل والصحراء يعيشان تحت ضغط الجماعات المسلحة، وشبكات التهريب، والتدخلات الخارجية، والجريمة العابرة للحدود. وفي هذا السياق، يصبح أي سلوك انفصالي مسلح جزءا من معادلة أمنية مقلقة، تفرض على المنتظم الدولي التعامل معها بكثير من الحزم والوضوح.
هذا التصعيد يضع البوليساريو في موقع هش أمام العالم. فالاتجاه العام داخل المؤسسات الدولية يميل نحو دعم الحلول السياسية الواقعية، بينما تواصل الجبهة التشبث بمنطق قديم عاجز عن إنتاج أي أفق. ومن هنا، فإن كلفة التصعيد ستكون دبلوماسية وسياسية وأمنية في الوقت نفسه.
لقد بات واضحا أن كل تحرك خارج منطق التفاوض يعزز الموقف المغربي، لأنه يكشف الفارق الكبير: دولة تقدم مبادرة سياسية للحل، وكيان يختار الهروب إلى الأمام كلما ضاقت به الدائرة الدبلوماسية. المغرب يراكم المواقف الداعمة، ويقوي حضوره كشريك موثوق في الأمن والاستقرار، في حين تستنزف البوليساريو ما تبقى من رصيدها بخطوات تزيد عزلتها.
المرحلة الحالية تفرض انتقالا حقيقيا من إدارة النزاع إلى إنهائه. والحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أصبح مقاربة واقعية تتقدم داخل دوائر القرار الدولي، لأنها تجمع احترام السيادة، وضمان الحقوق، وتحقيق الاستقرار، وفتح آفاق التنمية.
أمام البوليساريو خيار واضح: الانخراط الجدي في مسار سياسي واقعي ينهي معاناة المحتجزين ويفتح باب المستقبل، أو الاستمرار في التصعيد إلى أن تتحول من طرف في نزاع إقليمي إلى عبء أمني وسياسي على داعميها.
الشرعية لا تصنع بالصواريخ ولا بالبيانات المتشنجة، وإنما بالقدرة على تقديم حل قابل للحياة. المغرب قدم مبادرته، والعالم يتجه أكثر فأكثر نحو الاعتراف بواقعيتها. أما البوليساريو، فكلما رفعت سقف التصعيد، كشفت أنها فقدت الأرضية السياسية التي كانت تتحرك فوقها.