سيكون المغرب مضطرا لانتظار وقت إضافي قبل التوصل بـ30 طائرة مقاتلة من طراز “ميراج 2000-9”، في إطار الهبة التي سبق أن وعدت بها دولة الإمارات العربية المتحدة منذ سنة 2022، ضمن مسار تقوية التعاون العسكري بين البلدين في سياق التقارب السياسي الذي تعزز بعد افتتاح القنصلية الإماراتية بمدينة العيون في نونبر 2020.
وبحسب تقارير إعلامية، فإن مشروع نقل هذه الطائرات إلى القوات المسلحة الملكية اصطدم بعقبة جديدة، رغم تجاوز التحفظ الفرنسي الذي كان يعرقل العملية خلال المرحلة السابقة. فقد ألقى التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، خاصة الحرب في إيران، بظلاله على هذا الملف، في وقت باتت فيه أبوظبي أكثر تمسكا بالحفاظ على كامل أسطولها الجوي العملياتي إلى حين استكمال تسلم ودمج طائرات “رافال F4” داخل قواتها المسلحة.
وتشير التطورات الجارية إلى أن الجدولة الزمنية الخاصة بصفقة الإمارات مع فرنسا تظل عاملا حاسما في تحديد مصير هذه الهبة. فالعقد الموقع في دجنبر 2021 يشمل اقتناء 80 طائرة رافال F4، على أن تبدأ أولى عمليات التسليم ابتداء من سنة 2026، فيما يمتد استكمال الصفقة إلى حدود سنة 2031، مع ما يرافق هذا النوع من العقود الكبرى من احتمالات التأخير.
وفي ظل هذا المعطى، فضلت الإمارات، وفق ما يتم تداوله، تأجيل تسليم مقاتلات “ميراج 2000-9” إلى المغرب، من أجل الإبقاء على جاهزيتها الكاملة داخل الأسطول الجوي الإماراتي، خاصة في ظرفية إقليمية شديدة الحساسية، تتسم بتصاعد المخاطر الأمنية وتوسع بؤر التوتر في المنطقة.
وكانت أبوظبي قد استبقت هذا الاحتمال عبر اتخاذ خطوات عملية لضمان استمرار الجاهزية التقنية لطائراتها. ففي 20 فبراير 2025، وعلى هامش معرض الدفاع الدولي IDEX، أبرمت شركة “جلف إيركرافت مينتينانس” شراكة مع مجموعة فرنسية متخصصة لتأمين الصيانة الثقيلة لمحركات M53 التي تعتمدها طائرات “ميراج 2000”، في خطوة هدفت إلى الحفاظ على مستوى أداء مرتفع للطائرات قبل سحبها التدريجي ونقلها المفترض إلى المغرب.
ويعود أصل هذا المشروع إلى نهاية سنة 2021، حين برز توجه إماراتي نحو منح المغرب 30 طائرة “ميراج 2000-9E”، في موازاة صفقتها الكبرى مع فرنسا الخاصة بطائرات “رافال F4”، المزودة بصواريخ جو-جو “ميكا NG” وصواريخ كروز “بلاك شاهين”، ضمن صفقة ضخمة تجاوزت قيمتها 16 مليار يورو.
هذا المسار لم يكن سهلا منذ البداية، إذ واجه في مرحلته الأولى رفضا فرنسيا في ظل توتر العلاقات بين باريس والرباط. غير أن التحسن الذي عرفته العلاقات المغربية الفرنسية خلال سنة 2024، خاصة بعد زيارة وزير الخارجية الفرنسي السابق ستيفان سيجورنيه إلى المغرب في فبراير من السنة نفسها، ثم بعد إعلان الرئيس الفرنسي في 30 يوليوز 2024 دعمه لمغربية الصحراء، ساهم في إزالة هذا الحاجز.
وفي الخلفية، تظل الشراكة العسكرية بين المغرب والإمارات مؤطرة باتفاق تعاون يعود إلى ماي 2006، ويشمل التدريب وتبادل الزيارات والدعم العملياتي والتقني والمادي، قبل أن يتم توسيعه سنة 2014 ليشمل البحث في الصناعات العسكرية ونقل التكنولوجيا.
كما أن الحرب في إيران أعادت ترتيب أولويات أبوظبي الدفاعية، وهو ما زاد من صعوبة المضي سريعا في تنفيذ الهبة الجوية الموعودة للمغرب. وفي هذا السياق، برز البعد السياسي للعلاقات بين البلدين من خلال الاتصالين الهاتفيين اللذين أجراهما الملك محمد السادس مع رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد خلال فترة الحرب، لتأكيد دعم المملكة لأبوظبي في هذه الظرفية الدقيقة.
هكذا، يتجه ملف “ميراج 2000-9” إلى مرحلة انتظار جديدة، بعدما انتقل من عائق فرنسي سابق إلى حسابات أمنية وعسكرية فرضتها تحولات الشرق الأوسط، في وقت يترقب فيه المغرب ما إذا كانت السنوات المقبلة ستقود فعلا إلى استكمال هذا النقل العسكري أم أن الهبة ستظل رهينة توازنات إقليمية متحركة.