أشعلت حلقة إدريس الأزمي نائب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية في برنامج “للحديث بقية” فتيل سؤال حارق حول القناة الأولى: هل ما زالت شاشة عمومية لكل المغاربة، أم تحولت تحت إدارة فيصل العرايشي إلى منصة ضغط سياسي تتحرك بإيقاع يخدم حكومة عزيز أخنوش؟ فالذي جرى ليلة الخميس 07 ماي الجاري، كشف اختلالا واضحا في ميزان المعاملة بين ضيوف المعارضة وضيوف السلطة التنفيذية.
لقد فتحت الحلقة نقاشا واسعا حول وظيفة الإعلام العمومي وحدود المهنية داخل البرامج السياسية، لاسيما عندما يتعلق الأمر بضيوف ينتمون إلى صف المعارضة، في مقابل طريقة أكثر هدوءا وسلاسة تظهر في حلقات أخرى مع وجوه محسوبة على الأغلبية أو قريبة من دوائر القرار الحكومي.
فالقناة الأولى، باعتبارها مرفقا إعلاميا عموميا ممولا من المال العام، مطالبة بأن تقف على المسافة نفسها من جميع الفاعلين السياسيين، وأن تضمن للمشاهد نقاشا متوازنا، لا أن تتحول إلى فضاء يشتغل بمنطق الحدة الانتقائية، حيث أن المساءلة الصحفية مطلوبة، والصرامة في طرح الأسئلة ضرورية، لكن عندما تتحول هذه الصرامة إلى أداة موجهة ضد طرف بعينه، وتغيب أو تخف حدتها أمام أطراف أخرى، يصبح الأمر أقرب إلى رسالة سياسية منه إلى ممارسة إعلامية متوازنة.
إن ما ظهر خلال البرنامج الذي يقدمه الصحفي يوسف بلهيسي، من إيقاع متوتر في إدارة الحوار، وتكرار المقاطعات، وطريقة دفع الضيف إلى موقع الدفاع المستمر، أعطى الانطباع بأن البرنامج لم يكن يسعى إلى فتح نقاش سياسي هادئ وعميق، بقدر ما بدا كأنه يحاول وضع إدريس الأزمي في زاوية ضيقة، في لحظة سياسية حساسة تعرف فيها حكومة عزيز أخنوش ضغطا اجتماعيا متزايدا بسبب الغلاء، وتراجع القدرة الشرائية، وملفات التشغيل، والصحة، والتعليم.
وهنا يبرز اسم فيصل العرايشي بقوة. فالرئيس المدير العام للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة لا يمكن أن يبقى خارج دائرة السؤال، مادام مسؤولا عن مؤسسة يفترض أنها تحمل صفة “العمومية”، إذ أن الخط التحريري هو مرآة لطريقة فهم المؤسسة لدورها داخل المجال السياسي والإعلامي.
وإذا كانت القناة الأولى تريد ممارسة الصحافة الحادة، فالمطلوب أن تكون هذه الحدة قاعدة عامة مع الجميع: مع رئيس الحكومة، ومع الوزراء، ومع زعماء الأغلبية، ومع المعارضة، ومع كل من يتحمل مسؤولية عمومية. أما أن تظهر القوة أمام قيادي معارض، ثم تختفي أمام وجوه السلطة التنفيذية، فذلك يضرب ثقة المشاهد في الإعلام العمومي، ويفتح الباب أمام اتهامات بالاصطفاف وخدمة أجندة سياسية محددة.
لقد تحولت حلقة ادريس الأزمي إلى مرآة عاكسة لأزمة أوسع داخل الإعلام العمومي، حيث أن النقاش لم يعد حول أداء ضيف أو أسلوب مقدم برنامج، بل حول سؤال: من يملك مفاتيح القناة الأولى؟ هل هي قناة المواطنين أم قناة عزيز أخنوش؟ هل وظيفتها مساءلة من يدبرون الشأن العام، أم تخفيف الضغط عنهم عبر توجيه النقاش نحو خصومهم السياسيين؟
إن حكومة عزيز أخنوش، إذا كانت تملك حصيلة مقنعة، فهي ليست في حاجة إلى درع تلفزيوني، حيث أن الحصيلة القوية تدافع عن نفسها داخل الواقع، في الأسعار، وفي فرص الشغل، وفي جودة الخدمات العمومية، وفي إحساس المواطن بتحسن أوضاعه.
أما عندما يصبح الإعلام العمومي جزءا من هندسة الصورة، فذلك يعني أن الواقع أقوى من الدعاية، وأن الشاشة تستعمل لتعويض العجز السياسي والاجتماعي.
القضية هنا لا تتعلق بالدفاع عن إدريس الأزمي أو عن حزب العدالة والتنمية، بل بالدفاع عن مبدأ أبسط: الإعلام العمومي يجب أن يكون في خدمة المواطن، لا في خدمة الحكومة. يجب أن يطرح الأسئلة القاسية على الجميع، وأن يفتح الملفات الحارقة دون حسابات، وأن يحترم ذكاء المشاهد الذي صار يقارن بين الحلقات، ويرصد الفوارق، ويفهم متى تكون المهنية صادقة ومتى تتحول إلى ضغط سياسي مقنع.
لقد انتهت حلقة إدريس الأزمي، لكن العاصفة التي خلفتها ما تزال مفتوحة، حيث وضعت الإعلام العمومي في قفص الاتهام، ودفعت فيصل العرايشي إلى قلب سؤال سياسي مباشر: هل القناة الأولى قناة للمغاربة أم ذراع تلفزيوني لحكومة عزيز أخنوش؟ وهل دورها مساءلة السلطة أم تخفيف الضغط عنها؟
الأكيد أن المغاربة لم يعودوا يتابعون الشاشة بعين المتفرج الصامت. الجمهور يقارن، يقرأ الإشارات، ويفهم متى يكون الحوار مهنيا ومتى يتحول إلى هندسة سياسية.
وإذا كان فيصل العرايشي يعتقد أن القناة الأولى قادرة على صناعة الانطباع، فإن حلقة ادريس الأزمي كشفت أن الرأي العام قادر أيضا على محاكمة الشاشة نفسها.
ولذلك، فالقضية اليوم أكبر من برنامج اسمه “للحديث بقية”. القضية هي: هل بقي للإعلام العمومي شيء من معنى العمومية؟ أم صار شاشة تنتظر لحظة الإشارة لتتحول إلى منصة ضغط سياسي؟
وللحديث بقية.