في موسمٍ كان يفترض أن تتحول فيه الـONSSA إلى خلية قيادة صحية تقف في قلب الأسواق، ظهرت المؤسسة كأنها مكتب إنتاج لكبسولات تقليدية أكل عليها الدهر وشرب، توزع نصائح عن عين الأضحية وأذنها وبطنها، بينما المواطنون يطاردون كبشا غائبا، والأسعار تلسع الجيوب، و”الفراقشية” يفرضون قانونهم أمام أعين الجميع.
ووسط هذا الانهيار في الثقة، اختفى المدير العام عبد الله الجناتي عن الأنظار، بلا صوت، بلا صورة، بلا أرقام، بلا حساب، تاركا مؤسسة استراتيجية تعنى بالسلامة الصحية تتوارى خلف الشاشة في موسم كشف عجزها عن حماية المغاربة عندما احتاجوا إليها.
لقد صار غياب المدير العام عبد الله الجناتي سؤالا ثقيلا حول من يقود فعليا المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، وهل تقود المؤسسة رقابة حقيقية داخل الأسواق، أم أن “الفراقشية” صاروا أقوى من أجهزة التتبع والمراقبة؟ وهل يعقل أن يعيش المغاربة موسما بهذا الارتباك دون أن يخرج المسؤول الأول بكلمة واضحة، وأرقام دقيقة، وحساب صريح أمام الرأي العام؟
وإذا كان عبد الله الجناتي يعاني وضعا صحيا يمنعه من الحضور والتواصل وقيادة المؤسسة، فالمسؤولية تفرض عليه تسليم المفاتيح لمن يملك القدرة على القيادة والمواجهة. أما إذا كان صمته يخدم، بطريقة أو بأخرى، مصالح كبار المستفيدين من فوضى سوق الأضاحي، وعلى رأسهم لوبيات قريبة من دوائر القرار الحكومي، بمن فيهم أقارب وأصدقاء رئيس الحكومة ووزير الفلاحة، فإن الأمر يدخل دائرة المساءلة السياسية والرقابية.
المغاربة ما كانوا ينتظرون دروسا عن عين الأضحية وأذنها وبطنها، كانوا ينتظرون مؤسسة تضرب بيد الرقابة، تكشف المخالفين، تفضح المتلاعبين، وتقدم أرقاما حول القطيع والأسواق والأعلاف والحجوزات، لكن ما حدث كشف مؤسسة غارقة في التواصل البارد، ومديرا عاما خارج الكوكب المغربي، وسوقا تركت لمنطق المضاربين.
لقد آن الأوان لكي يتحمل عبد الله الجناتي كلفة ما وقع. فمن قضى سنوات فوق كرسي المسؤولية مطالب اليوم بالحساب الكامل عن حصيلته، وعن صمته، وعن غيابه، وعن موقع مؤسسته وسط هذه الأزمة.
وإذا عجز عن حماية صحة المغاربة وقيادة الـONSSA في وقت الامتحان، فعليه أن يغادر موقعه ويسلم المهمة لمن يملك الجرأة على التسيير ومواجهة “الفراقشية”، قبل أن تتحول المساءلة من مطلب رأي عام إلى ملف سياسي مفتوح حول كل ما جرى تحت مسؤوليته.