هاشتاغ
من غرائب السياسة المغربية أن بعض مكونات اليسار تكتشف فجأة، مع اقتراب كل موعد انتخابي، فضيلة الوحدة، فتتحول الخلافات الإيديولوجية إلى مجرد تفاصيل صغيرة، وتصبح الدعوات إلى تجاوز الماضي واجبا وطنيا، وكأن سنوات التراشق والاتهامات والانشقاقات لم تكن سوى سوء فهم عابر.
وفجأة يصبح الحديث عن “البيت اليساري” و”المشروع المشترك” و”الرهان الديمقراطي” أكثر حضورا من الحديث عن البطالة أو التعليم أو الصحة، لأن الموسم الانتخابي قد حل، ولكل موسم شعاراته، تماما كما يكتشف بعض المغاربة حب الرياضة أسبوعا قبل الصيف، أو كما يتذكر المنتخبون مشاكل الأحياء الشعبية بمجرد ظهور أولى استطلاعات الرأي.
والأكثر إثارة أن بعض الذين يقدمون أنفسهم اليوم باعتبارهم حماة الوحدة، كانوا بالأمس القريب من بين أبرز المساهمين في تفجير تجارب وحدوية سابقة، ليس بسبب خلافات فكرية عميقة أو رؤى متناقضة حول مستقبل البلاد، وإنما بسبب حسابات الترشيحات والمقاعد، حتى إن تجربة فيدرالية اليسار الديمقراطي لم تسلم من منطق “الوحدة إلى أن نصل إلى توزيع الدوائر”.
فاكتشفت مكونات اليسار أن الطريق إلى البرلمان أقصر من الطريق إلى الوحدة، وأن مقعدا في الدار البيضاء قد يكون أحيانا أقوى من عشرات البلاغات التي تتحدث عن النضال المشترك، وكأن القاعدة غير المكتوبة تقول: “يا وحدة يا زينة، إذا ضمنت المقعد مرحبا بك، وإذا هددته فلكل حزب طريقه”.
ولأن السياسة فن الممكن، فإن الوحدة تصبح مطلوبة عندما يتعلق الأمر بالانتخابات، أما عندما يتعلق الأمر بالعمل المجتمعي، وتأطير الشباب، وإنتاج الأفكار، وإعادة بناء العلاقة مع النقابات والجمعيات والجامعة، فإن الحماس ينخفض بشكل ملحوظ، وكأن اليسار اقتنع بأن المجتمع يمكن أن ينتظر، بينما صناديق الاقتراع لا ترحم المتأخرين.
لذلك نجد أن مشاريع الوحدة تزدهر كلما اقترب موعد التصويت، ثم تدخل في سبات عميق بمجرد إعلان النتائج، تماما مثل بعض الجمعيات التي لا تستيقظ إلا مع موسم طلبات الدعم، أو مثل بعض ملاعب القرب التي لا تتذكرها الجماعات إلا عندما تقترب الحملات الانتخابية.
والمفارقة أن اليسار المغربي، الذي صنع جزءا مهما من تاريخه من داخل المجتمع، ومن خلال النقابات والحركة الطلابية والجمعيات الثقافية، أصبح في بعض تجلياته يتصرف وكأنه شركة موسمية، تفتح أبوابها مع اقتراب الانتخابات، ثم تعود إلى حالة السكون بعد انتهاء الحملة.
وبين موسمين انتخابيين يبدو وكأن المجتمع نفسه قد اختفى، أو على الأقل لم يعد يحظى بنفس الاهتمام الذي تحظى به الحسابات الانتخابية، حتى ليخيل للمتابع أن بعض التنظيمات تتعامل مع المواطنين كما تتعامل المقاهي مع مباريات المنتخب الوطني، ازدحام شديد أثناء الحدث، ثم عودة هادئة إلى الروتين المعتاد.
ولعل السؤال الذي يستحق أن يطرح، ليس لماذا لا يتوحد اليسار، بل لماذا يتذكر الوحدة فقط عندما تصبح المقاعد البرلمانية في الأفق، ولماذا تتحول الوحدة إلى واجب مقدس في الانتخابات، بينما تصبح في العمل المجتمعي مجرد ترف فكري يمكن تأجيله إلى إشعار آخر.
فلو أن جزءا من الجهد المبذول في هندسة التحالفات الانتخابية تم استثماره في بناء حضور مجتمعي حقيقي، لربما لم يكن اليسار في حاجة إلى أن يعقد مؤتمرات موسمية للبحث عن أسباب ضعفه، ولما أصبح حال بعض مكوناته شبيها بالمثل المغربي القائل: “نهار العرس تلقى الناس، ونهار الحفرة كل واحد كيشد فجهة”.
في النهاية يبدو أن بعض مكونات اليسار لم تعد تؤمن بالمقولة القديمة التي تعتبر أن المجتمع هو أساس السياسة، بل أصبحت تؤمن بمقولة أكثر عملية، مفادها أن الطريق إلى المجتمع يمر أولا عبر البرلمان، وأن الوحدة ليست قيمة دائمة، بل منتجا موسميا، يظهر كل خمس سنوات، ثم يختفي بهدوء، في انتظار موسم انتخابي جديد، يعيد اكتشاف فضائل الوحدة، ويؤجل مرة أخرى سؤال الحضور المجتمعي إلى موعد غير محدد.
وكأن المجتمع لا يستحق الوحدة إلا عندما تصبح الأصوات الانتخابية على المحك، أما فيما عدا ذلك، فلكل مكون يساري وحدته الخاصة، وحساباته الخاصة، وموسمه الخاص، حتى صار المشهد أقرب إلى المثل المغربي الشهير: “الزرود عامرة، والهم هم واحد”، أو كأن الوحدة عند البعض تشبه “الكسكس ديال الجمعة”، تحضر مرة في الأسبوع، ثم يعود كل واحد إلى طبخه الخاص بقية الأيام.