المغرب يفتح جراح الذاكرة ويطوي ملفات “تازمامارت” بتعويضات ضخمة وخبرة مغربية خالصة

سجل المجلس الوطني لحقوق الإنسان تقدما جديدا في مسار استكمال توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، معلنا تحقيق ما وصفه بطفرة ملموسة في معالجة ما تبقى من الملفات العالقة، مع تركيز واضح على محورين يعتبران من أكثر الملفات حساسية في مسار العدالة الانتقالية، ويتعلق الأمر بكشف الحقيقة وحفظ الذاكرة الوطنية.

وأفاد المجلس في تقريره الأخير بأن الجهود المبذولة مكنت من الإغلاق النهائي والكامل لثمانية وخمسين ملفا يهم ضحايا معتقل تازمامارت السابق، في خطوة تعكس تسارعا لافتا في مسار جبر الضرر وإعادة الاعتبار، بعدما تجاوزت الكلفة المالية المخصصة لتعويض هذه الفئة وحدها 164 مليون درهم.

وفي واحد من أكثر الجوانب دقة وتعقيدا، كشف التقرير عن إحراز تقدم مهم في ملف تحديد هويات الرفات، عبر إطلاق عملية تقنية دقيقة ترتكز على تحاليل الخبرة الجينية، رغم الصعوبات التي ظلت لسنوات تعرقل هذا الورش بسبب تدهور العينات العظمية وصعوبة استغلالها مخبريا.

وسجل المصدر ذاته تحولا نوعيا في هذا المسار، بعدما انتقل المغرب من الاستعانة بمختبرات أجنبية إلى الاعتماد الكامل على خبراته الوطنية، ممثلة في المختبر الجيني الوطني التابع للشرطة العلمية والتقنية، في مؤشر قوي على تطور القدرات المغربية في مجال بالغ الحساسية والتعقيد.

ويرى المجلس أن تجهيز المختبر الوطني بأحدث الوسائل التقنية من شأنه أن يمنح المغرب موقعا متقدما، ويؤهله لأن يتحول إلى مرجع إقليمي في مواكبة تجارب العدالة الانتقالية في الفضاءين العربي والإفريقي.

وفي السياق نفسه، أبرز التقرير وجود تنسيق وثيق بين المجلس الوطني لحقوق الإنسان ورئاسة النيابة العامة ومصلحة الطب الشرعي، بهدف تأمين مواكبة قانونية وعلمية دقيقة لمختلف مراحل استخراج الرفات وتحديد الهويات، بما يضمن احترام الضوابط الحقوقية والعلمية المعتمدة في هذا النوع من الملفات.

كما ثمن المجلس انخراط عائلات المتوفين في هذا المسار، مؤكدا أن مشاركتهم تمت وفق موافقة حرة ومستنيرة، وضمن احترام المعايير الدولية المرتبطة بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي. وشملت الإجراءات أيضا تنظيم زيارات منزلية لفائدة الأسر التي تضم مسنين من أجل أخذ العينات الجينية، في خطوة تروم توسيع قاعدة البيانات وتخفيف أعباء التنقل عن المعنيين.

وعلى مستوى حفظ الذاكرة، كشف التقرير أن المغرب يواصل تهيئة عدد من فضاءات الذاكرة المرتبطة بسنوات الانتهاكات الجسيمة، بما في ذلك معتقل قلعة مكونة ومدافن ضحايا الاختفاء القسري وعدد من مواقع الأحداث الاجتماعية التاريخية، في مسعى يروم تثبيت الذاكرة الجماعية ومنحها بعدا مؤسساتيا دائم الحضور.

وفي هذا الإطار، خصص المجلس صفقة بقيمة 1.34 مليون درهم خلال سنة 2024 لمواصلة تهيئة معلمة تازمامارت التذكارية، ضمن رؤية تروم تحويل هذا الفضاء من عنوان للألم إلى فضاء للمعرفة والتأمل واستحضار الذاكرة. ويشمل المشروع بناء زنزانة نموذجية وتأهيل أجنحة الاستقبال وقاعات العرض والمرافق التقنية، مع اعتماد الطاقة الشمسية وأنظمة مراقبة حديثة.

كما يتضمن المشروع إحداث منظومة متكاملة للعلامات التعريفية والإرشادية لتوجيه الزوار وتعريفهم بمختلف فضاءات الموقع، إلى جانب تهيئة فضاءات خاصة بالتعاونيات المحلية، بما يفتح المجال أمام رواج اقتصادي بالمناطق المحيطة بهذه المواقع التاريخية.

وختم التقرير بالإشارة إلى قرب استكمال مشروع متحف الحسيمة، مع دعم ملتقيات الضحايا وتكريم الوجوه الحقوقية التي ساهمت في هذا المسار، في خطوة تعكس توجها نحو مأسسة الذاكرة وجعلها جزءا من البناء الحقوقي والمؤسساتي للمغرب.

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك