المغرب يقترب من نادي الكبار ويعزز ريادته في الابتكار

رسخ المغرب موقعه كقوة إقليمية صاعدة في مجال الابتكار وحماية الملكية الفكرية، بعدما حل في المرتبة الثانية والعشرين عالميا ضمن مؤشر الملكية الفكرية، مؤكدا تفوقه الواضح على مستوى العالم العربي والقارة الإفريقية، في وقت ما تزال فيه المملكة مطالبة بحسم ملفات دقيقة تتصل بحماية الأدوية اليتيمة والتصدي للقرصنة الرقمية.

ويبرز هذا الترتيب المسار الذي اختاره المغرب خلال السنوات الأخيرة من أجل بناء اقتصاد قائم على المعرفة والقيمة المضافة، عوض الارتهان للموارد الأولية والقطاعات التقليدية، حيث أن حماية الأفكار والاختراعات والعلامات والإبداعات أضحت اليوم عنصرا حاسما في جذب الاستثمارات النوعية ورفع تنافسية الدول داخل الاقتصاد العالمي الجديد.

وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، فقد حصل المغرب على نتيجة إجمالية بلغت 59,19 في المائة، محافظا على موقعه ضمن أفضل الاقتصادات الصاعدة في هذا المجال، بما يكرس حضوره كأكثر البلدان تقدما إقليميا من حيث الضمانات القانونية والمؤسساتية المرتبطة بحماية الابتكار.

ويستند هذا التقدم إلى بنية إدارية ومؤسساتية متماسكة، في مقدمتها المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية، الذي رسخ حضوره كأداة مركزية في تدبير براءات الاختراع والعلامات التجارية والرسوم والنماذج الصناعية، مدعوما بمسار رقمنة ساهم في تبسيط المساطر وتعزيز الشفافية ورفع ثقة المستثمرين في حماية أصولهم غير المادية داخل السوق المغربية.

كما يعزز المغرب موقعه من خلال انخراطه الواسع في المنظومة الدولية للملكية الفكرية، عبر المصادقة على عدد كبير من الاتفاقيات والمعاهدات المؤطرة لهذا المجال، بما يفتح الباب أمام شراكات أوسع في البحث والتطوير ونقل التكنولوجيا، ويمنح المملكة لغة قانونية مشتركة مع المراكز الاقتصادية الكبرى.

وعلى المستوى الإقليمي، يبرز التفاوت بشكل واضح بين المغرب وعدد من بلدان الجوار، إذ يواصل المملكة توسيع الفارق بفضل إصلاحات تشريعية ومؤسساتية متراكمة، في وقت لا تزال فيه اقتصادات أخرى تعاني من بطء التحديث وضعف الحماية القانونية اللازمة لجذب الاستثمارات المرتبطة بالتكنولوجيا والابتكار.

وامتد هذا التفوق أيضا إلى الفضاء الإفريقي، حيث نجح المغرب في تثبيت موقعه أمام اقتصادات وازنة من حيث الحجم السكاني أو الدينامية السوقية، مستفيدا من استقرار مؤسساته ووضوح قواعده القانونية، وهو ما جعل من بيئته الاستثمارية أكثر جاذبية بالنسبة إلى الفاعلين الدوليين الباحثين عن وجهة آمنة لتطوير مشاريعهم المبتكرة.

ورغم هذا التقدم، ما يزال بلوغ نادي العشرين الكبار عالميا رهينا برفع تحديات دقيقة، في مقدمتها تعزيز الحماية القانونية للأدوية اليتيمة، وهي فئة من العلاجات الموجهة للأمراض النادرة، وتحتاج إلى بيئة تنظيمية أكثر تخصصا لتشجيع البحث والاستثمار فيها.

وفي الموازاة مع ذلك، تفرض القرصنة الرقمية نفسها كواحد من أبرز الاختبارات المطروحة أمام المغرب، مع تزايد الضغط على منظومة حماية الحقوق في الفضاء الرقمي، خاصة في ما يتعلق بالبث غير القانوني وخدمات القرصنة المرتبطة بالمحتوى السمعي البصري، وهي ممارسات تستنزف مداخيل الصناعات الثقافية والإبداعية وتطرح تحديا قانونيا واقتصاديا متصاعدا.

ويؤشر هذا الواقع إلى أن المغرب دخل فعليا مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من موقع المتلقي للتكنولوجيا إلى موقع أكثر تقدما في إنتاج المعرفة وتأمينها قانونيا، وهي معركة لا ترتبط بصورة البلد فقط، بل تمس صلب سيادته الصناعية وقدرته على فرض نفسه داخل سلاسل الابتكار العالمية.

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك