واصل ياسين بونو كتابة واحدة من أبهى صفحات الحراسة المغربية، بعدما تحول من جديد إلى بطل حاسم في ليلة مونديالية مشحونة، وقاد المنتخب الوطني إلى ثمن نهائي كأس العالم 2026 عقب تصدٍّ ثمين أمام هولندا، أعاد إلى ذاكرة المغاربة صورة الحارس الهادئ الذي يخرج في اللحظات الكبرى ويحوّل الضغط إلى مجد.
وأمسك بونو بمفتاح العبور أمام المنتخب الهولندي، بعدما تصدى لركلة الترجيح التي نفذها كرايسينسيو سومرفيل، قبل أن يوقّع إسماعيل الصيباري الركلة الحاسمة التي أهدت “أسود الأطلس” بطاقة المرور إلى الدور المقبل، في مشهد أعاد وهج ملحمة قطر 2022 حين صنع الحارس المغربي واحدة من أشهر ليالي الكرة الوطنية.
ولد بونو بمدينة مونتريال الكندية في الخامس من أبريل 1991، لكن جذوره الكروية تشكلت في الدار البيضاء، بعدما استقرت أسرته بالمغرب وهو في الثالثة من عمره. وترجع ولادته في كندا إلى عمل والده أستاذا جامعيا للفيزياء، حيث قضت العائلة هناك ثماني سنوات قبل الاستقرار في المغرب.
وفي ذاكرة الطفولة، ظل بونو مرتبطا بكرة الشارع في الدار البيضاء، حيث حكى أنه تعلم اللعب في منحدر موقف للسيارات، وكان رفقة أصدقائه يرسمون المرمى على الجدار ويستعملون حاويات القمامة كقائمين، قبل أن تقوده تلك البدايات البسيطة إلى مسار عالمي حافل.
كان حلم بونو الأول اللعب مهاجما، قبل أن يلمح أحد مدربيه موهبته داخل المرمى ويقنعه بالوقوف خلف الخط الأخير، وهو القرار الذي غيّر حياته، وحوّل فتى الدار البيضاء إلى حارس يحمل اليوم واحدة من أقوى الشخصيات داخل كرة القدم المغربية.
بدأ بونو مساره الاحترافي مع الوداد الرياضي، حيث خاض أولى مبارياته مع الفريق الأول سنة 2010، ووصل معه إلى نهائي دوري أبطال إفريقيا، قبل أن يخطف الأنظار خلال بطولة تولون الدولية، ويفتح لنفسه طريقا نحو أوروبا عبر بوابة أتلتيكو مدريد الإسباني صيف 2012.
وفي إسبانيا، احتاج الحارس المغربي إلى سنوات من الصبر والعمل، متنقلا عبر الفريق الرديف والإعارات، ثم وجد إيقاعه مع ريال سرقسطة وجيرونا، حيث فرض حضوره كحارس أساسي داخل الدوري الإسباني، قبل أن يبلغ ذروة التألق مع إشبيلية منذ 2019.
ومع النادي الأندلسي، نال بونو جائزة “زامورا” كأفضل حارس في الدوري الإسباني موسم 2021-2022، وساهم في تتويج إشبيلية بلقب الدوري الأوروبي مرتين، كما خطف نجومية نهائي نسخة 2023، مؤكدا أن حضوره في المباريات الكبرى لا يرتبط بالحظ، وإنما بشخصية حارس يعرف كيف يدير اللحظة الفاصلة.
وفي صيف 2023، انتقل بونو إلى الهلال السعودي، حيث يواصل الدفاع عن ألوان الفريق بعقد يمتد إلى سنة 2028، محافظا على مكانته ضمن الحراس الذين يجمعون الخبرة الدولية، والهدوء الذهني، والقدرة على صناعة الفارق تحت الضغط.
وأثبت بونو أمام هولندا أنه صاحب علاقة خاصة مع ركلات الترجيح، بعد أن قاد المغرب في مونديال قطر 2022 إلى ربع النهائي عقب الإطاحة بإسبانيا، حين تصدى لركلتين وصنع واحدة من أعظم لحظات الكرة المغربية. وفي مونديال 2026، جاء الدور على هولندا لتدفع ثمن أعصاب الحارس المغربي الباردة.
ويعتمد بونو في ضربات الجزاء على أسلوب خاص، يقوم على الانتظار حتى اللحظة الأخيرة، وقراءة جسد المنفذ قبل اختيار زاوية الارتماء، ما يمنحه أفضلية نفسية واضحة داخل تلك الثواني القاتلة التي تفصل الحارس عن المجد أو الحسرة.
وقبل مواجهة هولندا، حرص الحارس المغربي على تخفيف الضغط عن زملائه، مؤكدا أن تركيز المنتخب منصب على ما يجري داخل الملعب، وأن الأهم أن يستمتع الجمهور بما يقدمه اللاعبون ويحتفظ بذكرى جميلة عنهم، بعيدا عن ضجيج الإعلام والتوقعات.
وبهذا الحضور القوي، يواصل ياسين بونو ترسيخ صورته كرمز كبير من رموز الكرة المغربية الحديثة، وحارس لا يكتفي بحماية المرمى، وإنما يحمي حلم جيل كامل يرى في “أسود الأطلس” قدرة جديدة على الذهاب بعيدا في مونديال 2026.