بعد أشهر من تداول منصات التواصل الاجتماعي في المغرب مقاطع فيديو توثق لمكالمات هاتفية صادمة يحاول فيها محتالون استدراج ضحاياهم عبر انتحال صفة مستشارين بنكيين، انتقل صدى هذه الظاهرة إلى فرنسا، حيث تحدثت تغطية حديثة لقناة “فرانس 3” عن ارتفاع شكايات “المستشار البنكي المزيف” في مدينة رين، في سياق أمني يوصف بالمقلق بسبب ارتفاع وتيرة هذا النوع من الاحتيال وتطور أساليبه.
وتفيد المعطيات الواردة في التغطية الفرنسية بأن مصالح الشرطة في رين تسجل، في المعدل، شكاية واحدة كل يومين، بينما جرى إحصاء 177 شكاية خلال سنة 2025، مقابل نحو 50 حالة جديدة خلال شهري يناير وفبراير 2026، وهو ما يُشير إلى تسارع واضح في نسق هذه الجرائم المالية. كما وصفت الشرطة المالية هذا التطور بكونه “مشكلا وطنيا” وأشارت إلى أن الأرقام المسجلة في رين “مقلقة”.
وبحسب المعطيات نفسها، فإن التحقيقات الأولية تشير إلى أن العقول المدبرة لبعض هذه العمليات تنشط من خارج التراب الفرنسي، مع ورود أسماء دول مثل المغرب وإسرائيل واليونان ضمن الفضاءات التي يشتبه في انطلاق جزء من الشبكات منها، في وقت يجري فيه تجنيد منفذين محليين عبر تطبيقات التواصل المشفر ومنصات مثل Snapchat وTelegram لاستكمال حلقات التنفيذ على الأرض.
وتنطلق العملية، في الغالب، برسالة نصية احتيالية توهم الضحية بوجود طرد بريدي في الانتظار، أو مخالفة يتعين تسويتها، أو خلل مرتبط ببطاقة التأمين الصحي، وتكون مرفقة برابط مفخخ يقود إلى جمع المعطيات الشخصية أو البنكية.
وبعد أيام أو أسابيع، يتلقى الضحية مكالمة من شخص يقدم نفسه على أنه مستشار بنكي، مستندا إلى معلومات دقيقة حول هويته أو عنوانه أو بعض عاداته الاستهلاكية، بهدف خلق جو من الثقة والارتباك، قبل دفعه إلى تنفيذ تحويل مالي فوري نحو حساب يقدَّم على أنه آمن.
وتكشف المعطيات الفرنسية عن مستوى أعلى من التعقيد في بعض الحالات، حيث يجري إقناع الضحية بقطع بطاقته البنكية وتسليمها إلى “ساع” مزيف، قبل إعادة استخدامها في اقتناء منتجات إلكترونية مرتفعة الثمن أو سحب أموال وتحويلها لاحقا إلى الخارج.
كما تسهل التحويلات البنكية الفورية عملية تبخير الأموال بسرعة، إذ تنتقل من حساب إلى آخر داخل فرنسا قبل أن تغادر نحو وجهات خارجية، وهو ما يصعب مهمة التتبع والاسترجاع.
وتتراوح الخسائر المسجلة، وفق المصدر نفسه، بين ألف وأربعة آلاف يورو في أغلب الحالات، بينما تشمل قائمة الضحايا مختلف الفئات العمرية والمهنية، بما فيها موظفون في أجهزة الأمن، وهو ما يؤكد أن هذا الاحتيال يراهن أساسا على التلاعب النفسي وصناعة الاستعجال أكثر مما يراهن على جهل الضحية.
وتوصي الشرطة الفرنسية بعدم النقر على الروابط المرسلة عبر الرسائل النصية، وعدم تنفيذ أي تعليمات هاتفية مستعجلة تتعلق بالحسابات البنكية، مع قطع الاتصال وإعادة الاتصال بالمؤسسة البنكية عبر القنوات الرسمية.
في المغرب، كانت المؤشرات قد ظهرت بوضوح خلال الأشهر الماضية عبر فيديوهات متداولة توثق لمحاولات استدراج مماثلة، قبل أن يخرج بنك المغرب، في نونبر 2025، بتحذير رسمي يدعو المواطنين إلى عدم مشاركة الرموز السرية أو معطيات الأداء التي قد تُطلب عبر الرسائل النصية أو المكالمات الهاتفية.
وشدد البنك المركزي على أن أي جهة تطلب هذه المعلومات يجب التعامل معها بوصفها جهة نصابة، مع الامتناع عن الرد والإبلاغ الفوري لدى المؤسسة البنكية المعنية.
ويُشير التوازي بين التحذير المغربي والتصعيد الفرنسي أن “المستشار البنكي المزيف” إلى أسلوب احتيالي منظم يقوم على جمع المعطيات، وبناء الثقة، وخلق الذعر، ثم دفع الضحية إلى تنفيذ العملية بيده. كما يكشف أن الجريمة المالية الرقمية باتت تستفيد من انفتاح الحدود الرقمية، ومن سهولة الوصول إلى البيانات، ومن قدرة الشبكات على توزيع الأدوار بين بلدان متعددة، بما يفرض يقظة أعلى من الأبناك والسلطات الأمنية والزبناء على حد سواء.