تتجه سوق الغاز الطبيعي المسال نحو أشهر مشحونة بالضغوط، وسط تحذيرات من موجة ارتفاع جديدة في الأسعار إذا تزامنت الاضطرابات الجيوسياسية مع موجات طقس قاسية وأعطال في منشآت الطاقة، في وقت يتصاعد فيه التنافس بين أوروبا وآسيا على الشحنات الأمريكية.
وأفادت مجلة «إيكونوميست» البريطانية بأن تراجع جانب من مخاطر الحرب في الشرق الأوسط لم يبدد المخاوف المرتبطة بإمدادات الغاز، خاصة مع اتجاه عدد متزايد من الناقلات نحو الأسواق الآسيوية التي تشهد ارتفاعا قويا في الطلب على الكهرباء والتبريد بسبب درجات الحرارة القياسية.
وفي المقابل، تواجه أوروبا وضعا دقيقا نتيجة ضعف مستويات التخزين عقب شتاء استنزف جزءا مهما من احتياطاتها، إذ بلغت المخزونات نحو 47 في المائة من طاقتها مع بداية الصيف، وهو أدنى مستوى يسجل في الفترة نفسها منذ 15 سنة.
وساهم ارتفاع الأسعار داخل آسيا في تحويل عدد من الشحنات الأمريكية بعيدا عن الموانئ الأوروبية، ما زاد حدة المنافسة بين القارتين وأبقى السوق تحت ضغط متواصل قبل بدء موسم الشتاء.
وتحتل الإمدادات القطرية موقعا مركزيا في حسابات الاستقرار خلال الأشهر المقبلة. فرغم استئناف جزئي لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، ما تزال ناقلات الغاز تعمل بوتيرة أدنى من مستواها المعتاد، في حين تسببت الحرب في أضرار طالت نحو 17 في المائة من الطاقة التصديرية القطرية.
وتشير التقديرات إلى احتمال فقدان السوق العالمية قرابة 40 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال القطري بحلول نهاية سنة 2026، بما يعادل نحو 10 في المائة من الإمدادات العالمية المسجلة خلال السنة الماضية.
ويأتي هذا النقص رغم ارتفاع الشحنات القادمة من أفريقيا وأستراليا وتراجع الطلب الصناعي في بعض الأسواق، ما يجعل أي تعثر إضافي قادرا على دفع الأسعار نحو مستويات أعلى.
وتزيد سياسة الانتظار التي يعتمدها مستوردون في أوروبا وآسيا من هشاشة السوق، إذ يؤجل عدد منهم شراء احتياجات الشتاء أملا في انخفاض الأسعار، وهو ما يرفع مستوى التأثر بأي صدمة مفاجئة.
ويتمثل أول مصادر الخطر في بطء استعادة الإمدادات الخليجية إذا تجددت المواجهات العسكرية أو تعطلت حركة الملاحة في مضيق هرمز، وهو سيناريو سيدفع المشترين الآسيويين إلى تكثيف الطلب على الغاز الأمريكي ورفع الأسعار عالميا.
ويرتبط المصدر الثاني بالأحوال الجوية، إذ تؤدي موجات الحر في أوروبا وآسيا إلى زيادة استهلاك الكهرباء والغاز، مع احتمال ارتفاع الطلب داخل بنغلاديش وباكستان تحت تأثير ظاهرة النينيو، إضافة إلى إمكانية عودة الصين بقوة إلى السوق الفورية إذا استمرت الحرارة المرتفعة.
أما المصدر الثالث فيتصل بالبنيات التحتية للطاقة، سواء عبر انخفاض إنتاج الطاقة الكهرومائية بسبب الجفاف، أو تراجع أداء المحطات النووية نتيجة ارتفاع حرارة الأنهار، أو تسجيل أعطال بمحطات تسييل الغاز وإضرابات عمالية مماثلة لما شهدته الولايات المتحدة وأستراليا خلال سنوات سابقة.
وتحذر المعطيات من أن اجتماع أكثر من صدمة في توقيت واحد قد يدفع سوقا تبدو متوازنة نسبيا نحو أزمة حادة، خاصة مع محدودية البدائل وسرعة انتقال الضغوط بين القارات.
ومن المرجح أن تواصل اقتصادات كبرى مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية شراء الشحنات بفضل قدرتها المالية، بينما ستواجه الدول ذات الدخل المحدود العبء الأكبر. أما أوروبا، فقد تتمكن من عبور الشتاء دون نقص فعلي في الإمدادات، لكن مقابل فاتورة طاقة أعلى بكثير من مستوياتها المعتادة.