هاشتاغ _ مولاي أحمد المريني
كان زمان.. العمرة رحلة تعب، عرق، دمعة صادقة، ووداع ثقيل.
كان المعتمر يبيع ذهب زوجته أو يقتطع من قوت سنته ليقف دقائق أمام الكعبة.
اليوم تغيّرت اللوحة.
العمرة صارت موسما للعرض الكبير، نسخة روحانية من “مهرجان كان”، حيث السجاد الفاخر يسبق السجود، والكاميرا تسبق الدعاء.
ولّى زمن كانت فيه العمرة مشقة تتعب الأجساد والأنفس.
اليوم تحولت إلى سياحة فارهة، إلى تذكرة VIP نحو الحرم، وإلى طقس سنوي يؤديه بعض الأثرياء مرات في السنة، كأنه اشتراك ذهبي في نادي الامتياز الروحي.
100 مليون سنتيم للرحلة الواحدة.. رقم يكفي لإطعام حيّ كامل في رمضان، يُصرف بسخاء على جناح مطل على الكعبة، وسائق خاص، وخدمة غرف تلبي رغبات “الخشوع الفاخر”.
لقد صار الوصول إلى مكة عرض أزياء متنقلاً.. أقمشة رفيعة، حقائب جلدية لامعة، ساعات تلمع أكثر من العيون الخاشعة.
ويبدأ الطواف بعد جولة تسوق. السعي يتوقف قليلاً لالتقاط صورة محسوبة الإضاءة. الفندق يتحول إلى بورصة عائلية.. صفقات، تحالفات، زيجات مرتقبة، اتفاقات صيف في شواطئ إسبانيا.
بين شوطين من السعي تُحسم شراكة، وبين دعاءين يُغلق عقد.
العمرة، في هذه النسخة، ليست عبادة فقط.. إنها شبكة علاقات. لقاءات مغلقة، همسات حول استثمارات، تخطيط لأعراس “أسطورية”، وإعادة ترتيب خرائط النفوذ العائلي. شعار المرحلة واضح.. “خيرنا ما يديه غيرنا”… حتى البركة صارت امتيازا طبقيا.
وكالات الأسفار فهمت اللعبة جيداً. أطلقت “عمرة هاي كلاس”، باقات متكاملة تشبه رحلات إلى جزر المالديف، مع فارق أن الخلفية هنا مئذنة لا شاطئ.
تذكرة درجة أولى، أجنحة ملكية، تنقل خاص، زيارات تاريخية، رحلات تسوق إلى جدة… كل شيء معروض، وكل شيء قابل للترقية. السوق مفتوح، والعمولة ترتفع كلما ارتفع منسوب الرفاهية.
الأطرف – أو الأوجع – دخول صناعة التأثير على الخط. يوتوبر يبتسم أمام الحرم، تيكتوكر يشرح “تجربته الروحية الفاخرة”، صحافي يخلع قبعة المهنة ويرتدي عباءة مؤثر، ينشر قصصا يومية عن الإفطار الملكي والسحور الذهبي.
الرحلة ممولة، المنشورات لامعة، التعليقات منبهرة.. “عمرة هاي كلاس” تتحول إلى حملة إشهارية عابرة للحدود.
التلميع هنا لا يقتصر على الباقة السياحية؛ أحياناً يمتد إلى تلميع صورة خدمات أخرى مثار همس وجدال، في صفقة صامتة.. منشورات مقابل امتيازات.. وربما مقابل تبييض أشياء لا علاقة لها بالروحانية.
في رمضان، شهر الصبر والزهد، تُعرض “نسخة بريميوم” من الخشوع.. ملايين السنتيمات تُدفع مقابل تجربة مصممة بعناية، بينما أسر كثيرة تبحث عن قفة غذائية تسد رمقها.
السؤال يلسع.. هل المقصود تصحيح المسار إلى الله… أم ترقية الصورة على المنصة؟ هل الحسنات تُكتب في السماء.. أم تُحتسب في خانة المشاهدات؟
عندما يصبح الطواف فقرة في جدول أعمال، ويغدو السعي مساراً لعلاقات عامة، ويتحول الدعاء إلى محتوى قابل للمونتاج، فنحن أمام زمن يخلط المقدس ببريق الواجهة.
العمرة لم تُخلق لتكون مهرجان ماركات ولا منصة نفوذ، ومع ذلك ها هي تُختزل عند البعض في تجربة مُسعّرة بعناية.
أما المؤثرون وبعض من يُفترض أنهم حراس الكلمة، فقد صاروا وكلاء تسويق بعمائم رقمية، يبيعون “الخشوع الفاخر” كما تُباع العطور الموسمية.. من كان يُفترض أن يسائل، صار يروّج. من كان يُفترض أن ينتقد، صار يبتسم للكاميرا.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.. عندما يتحول المقدس إلى محتوى، وعندما يُختصر الإيمان في لقطة، وعندما يصبح الضمير تابعاً لخوارزمية.. عندها لا يعود السؤال عن العمرة… بل عن ما تبقى من معنى في وقت تُباع فيه الروحانية بالتقسيط وتُلمّع بفلتر ذهبي.