فضائح تهز المعرض الدولي للفلاحة بمكناس.. تسريب دعوات وفوضى عارمة تضع المسؤولين في قفص الاتهام!

لم يعد ممكنا الحديث عن الدورة الثامنة عشر للمعرض الدولي للفلاحة بمكناس بمنطق الاحتفاء السهل أو الخطاب الترويجي الجاهز، لأن ما تسرب من قلب الحدث يضع المعرض نفسه في واجهة المساءلة، ويفرض قراءة أكثر صراحة لواحدة من أكثر التظاهرات التي يفترض أنها تعكس صورة التنظيم المغربي في حدث دولي كبير.

المعرض، الذي يقدم كل سنة باعتباره واجهة للفلاحة المغربية ومنصة دولية للقاء المهنيين وصناع القرار والوفود الأجنبية، وجد نفسه هذه المرة في قلب جدل ثقيل، لا بسبب مضمون النقاشات الفلاحية أو رهانات السيادة الغذائية، وإنما بسبب ما وقع في محيطه التنظيمي من اختلالات أربكت صورته وفتحت الباب أمام انتقادات حادة.

أولى الضربات التي تلقاها المعرض الدولي للفلاحة بمكناس جاءت من ملف دعوات الولوج، حيث عندما تتحول دعوات حدث بهذا الحجم إلى مادة للتداول والتسريب، وعندما تخرج من مسالكها المفترضة لتطفو على منصات رقمية، فإن الأمر لا يتعلق بهفوة بسيطة، وإنما بثغرة تضرب هيبة المعرض في العمق. لأن التظاهرة التي تعجز عن ضبط بوابة الدخول، تعطي انطباعا خطيرا بأن جزءا من تدبيرها منفلت، وأن الصرامة التي يفترض أن تحكم حدثا دوليا تراجعت أمام الفوضى.

هذا الخلل لم يكن معزولا عن مناخ أوسع من الارتباك، حيث عبر عدد من الصحافيين عن غضبهم من ظروف التغطية، ومن التأخر في معالجة طلبات الاعتماد، ومن ضعف التنسيق في قضايا الإقامة والتنقل والخدمات المرتبطة بالعمل الإعلامي.

وهنا تتعمق الأزمة، لأن المعرض الدولي للفلاحة بمكناس لا يعيش فقط داخل أروقته، وإنما في صورته التي تنقلها وسائل الإعلام. وعندما يشعر الصحافي أن المعاناة تبدأ قبل التغطية، فإن الرسالة التي تصل إلى الخارج تكون قاسية على الحدث نفسه.

المشكلة في المعرض الدولي للفلاحة بمكناس، أن الخطاب الرسمي يصر على تسويقه كنجاح مكتمل، فيما الوقائع المتداولة من داخله تقول شيئا آخر. تقول إن هناك أعطابا في التنظيم، وارتباكا في التدبير، وضعفا في مواكبة حجم الضغط الذي يفرضه هذا الموعد. وتقول أيضا إن المعرض صار أكبر من طريقة تدبيره الحالية، وأكبر من قدرة الجهات المشرفة على التحكم الصارم في كل حلقاته.

ولأن المعرض الدولي للفلاحة بمكناس هو بيت القصيد هنا، فإن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بمن سرب الدعوات أو لماذا تأخرت الاعتمادات، وإنما بنموذج الحكامة الذي يسير هذا الموعد الكبير، حيث كيف يمكن لمعرض يقدم نفسه كحدث دولي مرجعي في القارة أن يجد نفسه كل سنة أمام الملاحظات نفسها؟ كيف يمكن لتظاهرة بهذا الحجم أن تبقى رهينة اختلالات كان يفترض تجاوزها منذ دورات سابقة؟ وكيف يطلب من الرأي العام أن يصفق للواجهة، فيما الكواليس تفيض بالارتباك؟

الأخطر أن المعرض الدولي للفلاحة بمكناس لم يعد يقاس فقط بعدد الزوار أو الدول المشاركة أو مساحة الأروقة. هذه مؤشرات شكلية مهمة، لكنها لا تكفي لصناعة النجاح الحقيقي، حيث أن النجاح في مثل هذه التظاهرات يقاس بالانضباط، وبالقدرة على تدبير الولوج، وبجودة الاستقبال، وبوضوح العلاقة مع الإعلام، وبقوة التنسيق، وبمدى احترام الحدث لصورته الدولية. ومن هذه الزاوية، فإن معرض مكناس تلقى هذه السنة ضربة موجعة.

المعرض أيضا وجد نفسه مكشوفا أمام معطى آخر شديد الإحراج، يتعلق بمحدودية قدرة المدينة المضيفة على احتضان حدث بهذا الحجم. ورغم أن هذا النقاش يطال مكناس كمدينة، فإنه ينعكس مباشرة على صورة المعرض نفسه. لأن التظاهرة التي تضطر إلى توزيع ضيوفها وثقلها اللوجستي على مدن مجاورة، تبدو كأنها تعيش مفارقة محرجة: حدث دولي كبير، في مدينة لم تكتمل جاهزيتها بعد لمرافقته كما يجب. وهذا يضع المنظمين أمام مسؤولية مضاعفة، لأنهم اختاروا الاستمرار في الرهان على الموعد نفسه من دون أن ينجحوا في تحصينه من الأعطاب المتكررة.

هنا يتحول المعرض الدولي للفلاحة بمكناس من فضاء للعرض والتسويق والتواصل، إلى مرآة تعكس اختلالا أوسع في طريقة إدارة التظاهرات الكبرى، حيث بدل أن يكون مناسبة لإبراز قوة التنظيم، صار مادة خصبة لطرح أسئلة محرجة حول منطق التدبير، وحدود الحكامة، وغياب الحسم في مواطن الخلل.

والمقلق أكثر أن كل هذه الملاحظات تأتي في وقت يراد فيه للمعرض أن يكون عنوانا على نجاح السياسة الفلاحية، فإذا به يفتح نقاشا آخر حول فشل مواكبته تنظيميا ولوجستيكيا وإعلاميا.

المعرض الدولي للفلاحة بمكناس في حاجة اليوم إلى وقفة حقيقية. في حاجة إلى مراجعة قاسية وواضحة تبدأ من صرامة الولوج، وتمر عبر تدبير الإعلام، ولا تنتهي عند سؤال المدينة والبنية التحتية والحوكمة العامة للحدث. لأن الاستمرار في تلميع الواجهة مع تجاهل الأعطاب لن يحمي صورة المعرض، بل سيدفعها أكثر نحو التآكل.

ما وقع في هذه الدورة يجب أن يقرأ بوضوح: المعرض اهتز. اهتزت صورته، واهتزت الثقة في جانب من تدبيره، واهتزت الرواية الرسمية التي تحاول تقديمه كقصة نجاح مكتملة. وهذا الاهتزاز لا يعالج بالبلاغات، ولا بالصور، ولا بالمديح، وإنما بالمحاسبة والتصحيح والجرأة على الاعتراف بأن معرضا بهذا الحجم لا يحق له أن يسير بكل هذا القدر من الارتباك.

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك