لم تعد أزمة الأجور المتأخرة داخل عدد من المؤسسات الصحفية والإعلامية قابلة للتغليف بعبارات التبرير الجاهزة.
نحن أمام مشهد مهني جارح، يتحول فيه الصحافي من صوت ينقل معاناة الناس إلى ضحية مباشرة لمعاناة صامتة، عنوانها راتب محتجز، وكرامة معلقة، وأسرة تنتظر حقا قانونيا يتحول كل شهر إلى موعد مع القلق.
لقد جاء بلاغ النقابة الوطنية للصحافة المغربية ليضع الأصبع على جرح يتسع داخل القطاع، بعدما أكدت أن تأخر صرف أجور شهر أبريل خلق احتقانا متزايدا وتوترا داخل عدد من المؤسسات، معتبرة أن تكرار هذا الوضع يكشف أزمة بنيوية تضرب الصحافة الوطنية، وتكرس الهشاشة الاجتماعية، وتمس الاستقرار المهني والكرامة الإنسانية للعاملين في الصحافة المكتوبة والإلكترونية والإذاعات الخاصة.
إن الأجر في أي مؤسسة تحترم نفسها ليس منّة، ولا هدية، ولا امتيازا يوزع حسب المزاج. الأجر حق قانوني ثابت، مقابل عمل يومي وجهد مهني واستنزاف ذهني وميداني.
وعندما يصبح هذا الحق عرضة للتأجيل والتسويف، فإننا لا نكون أمام خطأ بسيط في التدبير، وإنما أمام ضرب مباشر لأساس العلاقة بين الصحافي ومؤسسته.
الخطر الأكبر أن بعض المؤسسات التي ترفع شعارات الدفاع عن حرية التعبير وكرامة المواطن، تفشل في ضمان كرامة من يكتبون أخبارها، ويملؤون صفحاتها، ويغطون أحداثها، ويصنعون حضورها اليومي.
فكيف يمكن لمؤسسة إعلامية أن تدافع عن حقوق الناس وهي تؤخر أجور العاملين داخلها؟ وكيف يمكن للصحافي أن يواجه الفساد والهشاشة والحكرة، وهو يعيش داخل مقاولته شكلا من أشكال الابتزاز الاجتماعي؟
إن النقابة كانت واضحة عندما شددت على أن أي تأخير في صرف الأجور يمثل خرقا لمقتضيات قانون الشغل، ويتنافى مع روح دستور 2011، ويمس الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للأجراء.
كما طالبت بالصرف الفوري ودون شروط لأجور شهر أبريل، مع إعلان برنامج نضالي تصاعدي ينطلق بحمل الشارات الحمراء ابتداء من الخميس 07 ماي 2026.
وتصبح الفضيحة أعقد عندما يدخل الدعم العمومي إلى الصورة. فالدولة تدعم الصحافة باسم التعددية وتقوية المقاولات الإعلامية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: أين يذهب هذا الدعم حين يبقى الصحافي ينتظر أجره؟ وهل يعقل أن تستفيد مؤسسات من المال العام بينما العاملون داخلها يواجهون تأخر الرواتب وغياب الاستقرار؟
إن ربط الدعم العمومي باحترام الحقوق الاجتماعية بمثابة شرط أخلاقي وسياسي لإنقاذ ما تبقى من ثقة داخل القطاع، حيث لا يمكن أن تستفيد مؤسسة من دعم الدولة ثم تعجز عن أداء أجور صحافييها في وقتها. ولا يمكن الحديث عن إصلاح الإعلام بينما العاملون فيه يعيشون تحت ضغط الكراء والفواتير ومصاريف الأبناء.
الأخطر أن تأخير الأجر لا يفرغ جيب الصحافي فقط، بل يضرب استقلاليته في العمق، حيث أن الصحافي الجائع، القَلِق، المحاصر بالتزامات الحياة، يصبح أكثر هشاشة أمام الضغط، وأقل قدرة على أداء دوره الرقابي بحرية كاملة. لذلك، فإن تجويع الصحافيين ليس أزمة اجتماعية وحدها، بل تهديد مباشر لحرية الصحافة نفسها.
إن ما يحدث اليوم داخل بعض المؤسسات الإعلامية يستدعي محاسبة حقيقية، لا بيانات موسمية ولا وعودا باردة، حيث أن المطلوب هو افتحاص مسار الدعم، مراقبة احترام الأجور، إلزام المقاولات بالتصريح الاجتماعي الكامل، وحماية الصحافيين من تحويلهم إلى عمال هشين داخل قطاع يفترض أنه يحرس الديمقراطية.
فالصحافي ليس رقما في لائحة مؤجلة، ولا آلة إنتاج أخبار، ولا صوتا يمكن استنزافه ثم تركه في مواجهة الجوع والديون، بل هو إنسان له بيت وأسرة وكرامة. ومن يتلاعب بأجره يتلاعب بحرية المهنة كلها.
فضيحة الأجور المتأخرة تضع الجميع أمام سؤال قاس: من يتلذذ بتجويع الصحافيين في المغرب؟ ومن يحمي هذا العبث؟ ومن يسمح لمؤسسات تتحدث باسم الحرية أن تمارس داخل جدرانها أبشع أشكال الضغط الاجتماعي؟
الجواب لم يعد يحتمل الانتظار. صرف الأجور في موعدها هو الحد الأدنى، وربط الدعم العمومي بالكرامة المهنية صار ضرورة. أما استمرار تجويع الصحافيين، فليس سوى سقوط أخلاقي ومهني يفضح قطاعا يتحدث كثيرا عن الحرية، وينسى أن الحرية تبدأ من كرامة من يكتبونها.