كلما اشتد عود المغرب ارتبكت مدريد بورقة سبتة ومليلية المحتلتين

هاشتاغ _ مولاي أحمد الأمراني

أعادت التصريحات الصادرة عن وزير الخارجية الإسباني الأسبق خوسيه مانويل غارسيا مارغايو ملف سبتة ومليلية إلى واجهة النقاش، من زاوية تكشف حجم القلق الكامن في العقل الاستراتيجي الإسباني كلما اهتزت علاقات مدريد بحلفائها الكبار، وخاصة الولايات المتحدة (..) فتوتر سياسي بين إسبانيا وواشنطن يكفي كي ترتفع في مدريد نبرة التحذير من “الهشاشة” التي تمثلها المدينتان، وكأن الملف حاضر داخل الوعي الإسباني كجرح مؤجل أكثر من كونه قضية محسومة ومطمئنة.

إن القراءة المتأنية لهذا الطرح تكشف أن مصدر التوجس في إسبانيا لا يرتبط بسلوك مغربي طارئ أو بخيار عدائي مستجد، وإنما بالتحول العميق الذي عرفه المغرب خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى موقعه الإقليمي أو شبكة علاقاته الدولية أو قدرته المتزايدة على تثبيت مصالحه ضمن معادلات دولية معقدة.

ومن هذه الزاوية، يكتسي التحليل الذي قدمه الخبير في العلاقات الدولية خالد الشيات في حواره مع “تيل كيل” أهمية خاصة، لأنه يضع المسألة في إطارها الحقيقي، بعيدا عن التهويل الإسباني، وبعيدا كذلك عن القراءات السطحية التي تحاول اختزال العلاقات المغربية الإسبانية في ردود فعل ظرفية (..) فالعلاقة بين الرباط ومدريد لا تقرأ بمنطق الأحادية، ولا بمنطق تحويل أي تقارب مغربي أمريكي تلقائيا إلى تهديد مباشر لإسبانيا. المسألة أعمق بكثير.

المغرب ينظر إلى إسبانيا باعتبارها جارا حيويا، والجغرافيا هنا معطى حاسم (..) هناك مصالح اقتصادية وتجارية وأمنية متشابكة، وهناك حضور بشري مهم يتمثل في الجالية المغربية القوية داخل إسبانيا، وهناك كذلك بوابة استراتيجية بين أوروبا وإفريقيا تجعل العلاقة بين البلدين علاقة بنيوية لا يمكن تدبيرها بمنطق الانفعال أو استغلال الفرص الظرفية.

،هنا تظهر قوة المقاربة المغربية (..) الرباط لا تتعامل مع ملف سبتة ومليلية بمنطق المزايدة ولا بمنطق التلويح الموسمي (..) تعتبره ملفا سياديا وتاريخيا مفتوحا، وتتعامل معه بعقل الدولة التي تبني التوازنات ولا تهدمها، وتراكم عناصر القوة بهدوء، وتفصل بين ثبات الموقف ومرونة التدبير.

في المقابل، ما تكشفه السجالات الإسبانية أن جزءا من النخبة السياسية في مدريد ما زال يتعامل مع المغرب بعقلية قديمة، تقوم على الخوف من صعوده أكثر من فهم منطقه (..) لذلك يصبح أي تقارب مغربي مع قوة كبرى مثل الولايات المتحدة موضوعا للتأويل والقلق، رغم أن المغرب لا يشتغل بمنطق تسليم أوراقه للآخرين، ولا يضع مصالحه الاستراتيجية في يد طرف خارجي مهما كان وزنه.

وهنا يكمن جوهر المسألة (..) المغرب يستفيد من تنوع شراكاته الدولية لتعزيز موقعه، لا لاستبدال جار بجار، ولا لتحويل قضية سبتة ومليلية إلى أداة ضغط ظرفي (..) واشنطن بالنسبة إلى الرباط شريك مهم في التوازنات الدولية، وإسبانيا تبقى معطى جغرافيا وتاريخيا وسياسيا لا يمكن القفز فوقه.

ولهذا فإن أي تصور يفترض أن المغرب سيغامر بعلاقاته الاستراتيجية مع مدريد تحت تأثير عامل خارجي يكشف ضحالة في الفهم أكثر مما يكشف حقيقة في السياسة.

إن ملف سبتة ومليلية سيظل قائما داخل الوعي المغربي كقضية حقوق تاريخية وسيادة وطنية، وتدبيره سيتم دائما ضمن رؤية مركبة تضع في الاعتبار موازين القوى، ومستويات الثقة، ومقتضيات الجوار، وحسابات المصالح الكبرى. تلك هي لغة الدول الواثقة من نفسها.

والواقع يقول إن ما يقلق مدريد اليوم لا يرتبط بتهديد مغربي وشيك، وإنما بإدراك متنامٍ أن الرباط لم تعد ذلك الطرف الذي يكتفي برد الفعل (..) المغرب صار يشتغل بمنطق الفاعل الإقليمي الذي يوسع خياراته، ويحصن مصالحه، ويعرف كيف يربط بين الدبلوماسية والاقتصاد والموقع الجغرافي (..) وهذا التحول يفسر حساسية النخب الإسبانية كلما اهتزت بعض ثوابتها الدولية.

إن الانتصار للمغرب في هذا الملف لا يحتاج إلى لغة متشنجة، وإنما إلى تثبيت فكرة مركزية (..) الرباط تدير قضاياها الاستراتيجية بميزان دقيق يجمع بين الدفاع عن الحقوق التاريخية وصيانة الاستقرار الإقليمي (..) وهذه هي نقطة القوة في المقاربة المغربية؛ عقل دولة يتحرك بعمق، لا بانفعال، ويقرأ الجغرافيا بلغة المصالح، ويقرأ التاريخ بلغة السيادة، ويقرأ المستقبل بلغة التوازن.

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك