وجد حزب الاتحاد الاشتراكي، بقيادة إدريس لشكر، نفسه داخل زاوية سياسية ضيقة بعد موجة الانتقادات التي لاحقت امتناع فريقه البرلماني عن التصويت لصالح مقترحي تسقيف أسعار المحروقات وتأميم شركة “لاسامير”، فاختار الحزب الاحتماء بخطاب مطول حول موازين القوى والتغول، في محاولة لتغليف موقف يصعب تمريره أمام مغاربة ينتظرون جوابا واضحا عن سؤال يمس جيوبهم مباشرة.
فبعيدا عن اللغة الثقيلة التي استعملها الحزب في الدفاع عن موقفه، تبقى الواقعة السياسية واضحة: الاتحاد الاشتراكي امتنع عن دعم مقترحين يرتبطان بملف المحروقات، وبمطلب إحياء المصفاة الوطنية الوحيدة، في لحظة كان فيها المواطنون ينتظرون من المعارضة اصطفافا صريحا إلى جانب القدرة الشرائية، لا تموقعا رماديا يترك الباب مفتوحا لكل التأويلات.
وعندما يتعلق الأمر بغلاء المعيشة وأسعار الغازوال والبنزين، فإن المواطن لا يحتاج إلى بيانات طويلة ولا إلى هندسة خطابية معقدة، وإنما إلى موقف قابل للقراءة من أول وهلة: هل وقف الحزب مع تسقيف الأسعار وتأميم “لاسامير” أم اختار الامتناع؟ هذا هو السؤال الذي يختصر كل شيء، وكل محاولة للالتفاف عليه تزيد الحرج اتساعا.
إن تبرير الامتناع بسطوة الأغلبية العددية يضع الحزب أمام تناقض سياسي واضح، لأن وظيفة المعارضة ليست انتظار ضمان تمرير المقترحات، وإنما تسجيل الموقف والدفاع عنه والتصويت لصالحه حين يكون مرتبطا بمطالب اجتماعية حارقة. فحتى مع معرفة مسبقة بمصير المقترحين، كان التصويت لصالحهما سيمنح الحزب موقعا أخلاقيا وسياسيا أوضح أمام الرأي العام.
لكن الاتحاد الاشتراكي فضل صيغة الامتناع، ثم عاد ليقدمها كأنها موقف احتجاجي أقوى من التصويت، في منطق يصعب إقناع المغاربة به، خاصة أن الملفات المطروحة لا تتعلق بتفاصيل تقنية داخل لجنة برلمانية، وإنما بأسعار محروقات تضغط يوميا على الأسر والنقل والمواد الأساسية.
هذا التموقع وضع إدريس لشكر وحزبه أمام امتحان سياسي قاس، لأن الحديث عن الدفاع عن الفئات المتضررة يفقد قوته حين يصل إلى لحظة التصويت ثم يتحول إلى امتناع. فالناخب لا يحاسب الأحزاب على بلاغاتها، وإنما على أزرار التصويت التي تضغط عليها داخل البرلمان.
قد يستطيع الحزب تسويق روايته داخل صفوف مناضليه، وقد يجد من يصفق للتفسير السياسي الذي قدمه، لكنه سيجد صعوبة في إقناع مواطن يؤدي فاتورة الغلاء بأن الامتناع عن دعم تسقيف المحروقات وتأميم “لاسامير” كان دفاعا عنه. فالقدرة الشرائية لا تحميها الخطب، ولا تنقذها المواقف الرمادية، وإنما تحتاج إلى اصطفاف واضح حين تصل الملفات إلى لحظة القرار.