في الوقت الذي يحتفي فيه المكتب الوطني للسكك الحديدية بأرقام الأرباح وارتفاع رقم المعاملات وتوسع الاستثمارات، يعيش آلاف المواطنين وجها آخر من الحكاية، وجها لا يظهر في البلاغات الملمعة ولا في لغة المؤشرات اللامعة (..) في المحطات والعربات والممرات المزدحمة، يتكرر سؤال المغاربة كل يوم: أين تذهب هذه المليارات إذا كانت المعاناة ما تزال هي العنوان الأبرز في تجربة السفر بالقطار؟
أن يعلن المكتب تحقيق أكثر من خمسة مليارات درهم رقم معاملات، فهذا معطى مالي مهم (..) وأن يقدم نفسه كقاطرة للتنقل المستدام، فهذا خطاب مفهوم في منطق المؤسسات. لكن ما لا يمكن تغطيته بلغة الإنجاز هو أن شريحة واسعة من المواطنين ما تزال تصطدم بخدمات دون ما ينتظره المغاربة من مرفق عمومي يفترض فيه الاحترام والجودة والانضباط (..) قطارات تعرف الاكتظاظ، تأخرات تربك يوم الناس، ضغط خانق في عدد من الخطوط، ومرافق لا تعكس حجم الأموال التي يتم الحديث عنها كل سنة.
المفارقة السياسية والاقتصادية الثقيلة هنا أن مؤسسة عمومية تتحدث بلغة الأرباح والنجاعة، بينما جزء من الرأي العام يعيشها يوميا بلغة الإرهاق والضيق وفقدان الثقة (..) ما معنى أن ترتفع المداخيل إذا كان المواطن يواصل أداء ثمن خدمة لا تريحه ولا تحفظ له كرامة التنقل؟ وما جدوى الأرقام القياسية إذا ظل الراكب يشعر أن القطار الذي يستعمله كل صباح لا يواكب لا طموح الدولة ولا صورة المغرب التي يراد تسويقها؟
المكتب الوطني للسكك الحديدية ليست شركة تجارية معزولة عن نبض المجتمع، بل مرفق حيوي يمس الطالب والموظف والعامل والأسرة والمدينة والاقتصاد (..) ولهذا فإن الحديث عن الأرباح لا يكفي. المطلوب هو ربط كل درهم من هذه المداخيل بتحسن ملموس في العربات، في المواعيد، في النظافة، في الاستقبال، في سلامة التجهيزات، وفي احترام المواطن الذي لم يعد يقبل أن يكون الحلقة الأضعف داخل معادلة تربح فيها المؤسسة ويؤدي فيها وحده كلفة الأعطاب اليومية.
إن هذا الملف يفتح بابا حساسا حول معنى الحكامة داخل المؤسسات العمومية. لأن النجاح الحقيقي لأي مرفق لا يقاس ببلاغ مالي مزين بالأرقام، وإنما بقدرته على تحويل موارده إلى أثر اجتماعي مباشر (..) والمغاربة اليوم لا يريدون سماع لغة الاكتفاء الذاتي والنتائج الإيجابية بقدر ما يريدون قطارات تليق بهم، ومحطات تحترمهم، وخدمة تنسجم مع ما يضخ في هذا القطاع من استثمارات عمومية ضخمة.
لقد صار من حق المواطن أن يتساءل بحدة: كيف لمؤسسة تتحدث عن أرباح بالمليارات أن تترك هذا القدر من التذمر يتراكم في المحطات وعلى الأرصفة وداخل العربات؟ وكيف يمكن تسويق النجاح المالي في وقت ما تزال فيه تجربة السفر عند فئات واسعة مشوبة بالتوتر والاحتقان وسوء ظروف التنقل؟
الحقيقة القاسية أن المكتب الوطني للسكك الحديدية أمام امتحان أكبر من الحسابات السنوية (..) امتحانه الحقيقي يوجد في حياة الناس، في تفاصيل الرحلة، في حرارة العربات، في ضغط المقاعد، في احترام الوقت، وفي كرامة الراكب. هناك فقط يسقط بريق البلاغات أو يثبت صدقها.
المغاربة لا يعادون النجاح، ولا ينزعجون من تحقيق حجج مؤسسة عمومية لأرباح قوية (..) ما يزعجهم هو أن يروا المليارات تصعد في البيانات، بينما الخدمة تتعثر تحت أقدامهم كل يوم. وذلك هو لب الأزمة: ربح مالي في جهة، واستنزاف اجتماعي في الجهة المقابلة.