بعد خمس سنوات من الوعود الكبرى، يضع تقرير حديث النموذج التنموي الجديد الذي تسلمه الملك محمد السادس يوم 25 ماي 2021 من طرف شكيب بنموسى بصفته رئيساً للجنة الخاصة بالنموذج التنموي أمام امتحان الحصيلة، كاشفا أن المغرب حقق اختراقات اجتماعية واستثمارية مهمة، لكنه ما يزال يواجه أعطابا ثقيلة في التشغيل والتعليم والصحة والعدالة المجالية.
وفي هذا الصدد، كشف تقرير أصدره مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، تحت عنوان “خمس سنوات من النموذج التنموي الجديد: ماذا تحقق وما الذي تعثر؟”، أن حصيلة تنزيل النموذج التنموي الجديد بالمغرب خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2026 اتسمت بتباين واضح بين النجاحات المسجلة في عدد من الأوراش الاجتماعية والاستثمارية، واستمرار اختلالات بنيوية تعيق تحقيق التحول الاقتصادي والاجتماعي المنشود.
وسجل التقرير أن المملكة حققت تقدما ملموسا في مجموعة من المشاريع الكبرى المرتبطة بتعميم الحماية الاجتماعية والدعم الاجتماعي المباشر، حيث استفادت ملايين الأسر من برامج الدعم الجديدة، كما جرى توسيع التغطية الصحية الإجبارية لتشمل فئات واسعة من المواطنين.
وأبرز التقرير كذلك الدينامية الاستثمارية التي شهدتها البلاد من خلال تطوير البنيات التحتية، وتحسين مناخ الأعمال، وإطلاق مشاريع استراتيجية في قطاعات النقل والطاقة والصناعة، وهو ما ساهم في تعزيز جاذبية الاقتصاد الوطني واستقطاب الاستثمارات.
وأكد التقرير أن عددا من الأهداف الأساسية للنموذج التنموي لم يتحقق بالوتيرة المأمولة، خاصة في ما يتعلق بإحداث فرص الشغل، ورفع معدلات النمو الاقتصادي، وتحسين جودة التعليم والخدمات الصحية.
وأشار إلى استمرار معدلات البطالة عند مستويات مقلقة، خصوصا في صفوف الشباب، إلى جانب محدودية مساهمة النمو الاقتصادي في خلق مناصب الشغل وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
ورصد التقرير استمرار اختلالات مرتبطة بهيمنة الاقتصاد غير المهيكل، واتساع مظاهر الريع والاحتكار في بعض القطاعات، إضافة إلى محدودية أثر السياسات العمومية في تقليص الفوارق بين المجالات الترابية.
وحذر من استمرار التفاوتات في الولوج إلى الخدمات الأساسية، رغم الاستثمارات المهمة التي تم ضخها خلال السنوات الأخيرة.
وفي ما يشبه جرس إنذار لصناع القرار، دعا مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي إلى إعادة توجيه النموذج التنموي نحو اقتصاد منتج للقيمة المضافة ومولد لفرص الشغل، مع تعزيز الحكامة والشفافية، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وإصلاح منظومة التعليم والتكوين المهني، وتقوية دور المؤسسات الوسيطة لاستعادة ثقة المواطنين في السياسات العمومية.
وخلص التقرير إلى أن نجاح النموذج التنموي الجديد لا يقاس بحجم المشاريع والاستثمارات المنجزة فحسب، وإنما بقدرته على تحسين جودة حياة المواطنين، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، معتبرا أن السنوات المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان المغرب يسير فعلا نحو تحقيق أهداف أفق 2035، أم أن الأمر يستدعي مراجعات أعمق للمسار التنموي المعتمد.