فتح المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، عبد اللطيف حموشي، صفحة جديدة في مسار التعاون الأمني الدولي، بعد توقيعه، يوم الإثنين الماضي، مذكرة تفاهم مع المفوضة العامة للشرطة الوطنية السويدية، في خطوة تدفع بالعلاقات الأمنية بين الرباط وستوكهولم نحو مستوى أكثر تقدما في مجالي مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود.
وتنظر أوساط مهتمة بالشأن الأمني إلى هذه الاتفاقية باعتبارها محطة نوعية داخل مسار انفتاح المصالح الأمنية المغربية على شركاء جدد خارج الدوائر التقليدية، بالنظر إلى ما تحمله من أبعاد تتجاوز التعاون العملياتي المباشر نحو توسيع الحضور المغربي داخل فضاءات أمنية كانت إلى وقت قريب بعيدة نسبيا عن مجال الشراكة المنتظمة مع المملكة.
ويحمل هذا التطور دلالة خاصة، لأن الدول الإسكندنافية ظلت، لسنوات، خارج المدار الأمني المباشر للمغرب، كما أن العلاقات الثنائية مع بعضها تأثرت في مراحل سابقة بخلافات وسوء فهم حول قضية الصحراء المغربية، كما حدث مع السويد قبل نحو عقد. غير أن المسار الذي قاده عبد اللطيف حموشي خلال السنوات الأخيرة نجح في إذابة جزء مهم من هذا الجمود، وفتح المجال أمام تعاون أمني واستخباراتي أكثر وضوحا وتماسكا.
وتوج هذا المسار بتوقيع مذكرة التفاهم مع الشرطة الوطنية السويدية، التي أرست أرضية قانونية للتعاون المستدام في ملفات شديدة الحساسية، من قبيل مكافحة التطرف والإرهاب والجريمة المنظمة، بما يخدم أمن البلدين ويعزز آليات التنسيق في مواجهة التهديدات المستجدة.
ولا تقف أهمية هذه الخطوة عند حدود العلاقة مع السويد، بل تمتد إلى ما يمكن أن تفتحه من آفاق داخل فضاء شمال أوروبا، خاصة بعدما عبرت النرويج، في الفترة الأخيرة، عن رغبتها في توسيع تعاونها الأمني مع المغرب، مع إبداء استعدادها لتوقيع مذكرة تفاهم مماثلة تؤطر التعاون الثنائي في القضايا ذات الاهتمام المشترك.
وفي الاتجاه نفسه، واصل عبد اللطيف حموشي توسيع شبكة الشراكات الأمنية المغربية نحو مناطق أخرى من العالم، حيث وقع، في 21 ماي 2024، مذكرة تفاهم مع المدير العام للشرطة الاتحادية البرازيلية أندريه أغوستو باسوس رودريغيز، بهدف تعزيز التعاون الثنائي وتبادل الخبرات في المجال الأمني.
وشكل هذا الاتفاق إحدى أولى الخطوات العملية نحو انفتاح أمني مغربي على أمريكا اللاتينية، وهو المسار الذي تعزز لاحقا بإجراء مباحثات، في 7 أكتوبر 2024، عبر تقنية التناظر عن بعد، مع المدير العام لشرطة التحقيقات الجنائية بجمهورية الشيلي، في خطوة عكست توجها مغربيا نحو بناء شراكات مع فاعلين أمنيين جدد خارج المسارات التقليدية.
وبالمنطق الاستراتيجي نفسه، وقع حموشي، في 25 نونبر 2025، مذكرة تفاهم للتعاون الأمني مع مفوض الشرطة الفيدرالية الإثيوبية الجنرال ديميلاش جبر ميكائيل، على هامش أشغال الجمعية العامة للمنظمة الدولية للشرطة الجنائية “أنتربول”، بما عزز الحضور المغربي داخل محيط إفريقي يتزايد فيه الرهان على التنسيق الأمني في مواجهة التحديات المشتركة.
وخلال السنوات الثلاث الأخيرة، أخذت الدبلوماسية الأمنية التي يقودها عبد اللطيف حموشي بعدا أكثر حضورا، عبر الجمع بين الانفتاح على شركاء جدد وتثبيت الشراكات الاستراتيجية القائمة مع القوى الدولية المؤثرة.
وفي هذا الإطار، جرى بتاريخ 6 مارس 2024 توقيع مذكرة تفاهم بين قطب المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني وقيادة شرطة لندن بالمملكة المتحدة، بما وفر إطارا تعاونيا مهما في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف، في ظل تصاعد التهديدات المرتبطة بهذه الظواهر على الصعيد الدولي.
كما وقع عبد اللطيف حموشي، في 23 شتنبر 2024، اتفاقا جديدا مع القيادة العامة لشرطة أبوظبي بالإمارات العربية المتحدة، خصص لدعم التكوين الشرطي والاستثمار في الموارد البشرية الأمنية، في خطوة استهدفت تعزيز تبادل الخبرات وتقاسم أفضل الممارسات في مجال بناء الكفاءات الشرطية وتأهيلها.
وشهدت سنة 2025 بدورها توطيدا للشراكة الأمنية مع فرنسا، بعدما جرى، في 25 يونيو من السنة نفسها، توقيع مخطط عمل مشترك بين عبد اللطيف حموشي ونظيره الفرنسي لوي لوجيي، المدير العام للشرطة الوطنية الفرنسية، من أجل الارتقاء بالتعاون الأمني بين البلدين إلى مستوى العلاقات الاستراتيجية التي تجمع الرباط وباريس.
إن التوجه نحو عقد شراكات مع فاعلين جدد، إلى جانب تحصين الشراكات الاستراتيجية القائمة، يندرج ضمن رؤية تروم خدمة المصالح العليا للمملكة، عبر تعزيز الدبلوماسية الأمنية وتكريس النموذج الأمني المغربي كرافعة للاستقرار الإقليمي والدولي.
وتؤكد هذه الدينامية المتواصلة أن المغرب لم يعد يتحرك أمنيا داخل دائرة تقليدية مغلقة، بل بات يوسع مجالات حضوره وتأثيره وفق مقاربة تجعل من التعاون الأمني أداة لحماية المصالح الوطنية، ومدخلا لترسيخ موقع المملكة كشريك موثوق في القضايا الأمنية الكبرى.