رسخت الدبلوماسية الأمنية المغربية، خلال سنة 2026، حضورا لافتا على الساحتين الإقليمية والدولية، عبر سلسلة تحركات قادها المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، عبد اللطيف حموشي، شملت عواصم وازنة في أوروبا وآسيا، وكرست صورة المغرب كشريك أمني موثوق في مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة والتهديدات العابرة للحدود.
وتكشف هذه الدينامية عن انتقال التعاون الأمني المغربي من منطق التنسيق الثنائي التقليدي إلى مستوى أكثر تقدما، يقوم على تبادل الخبرات، وتطوير القدرات التقنية، وتعزيز الشراكات في مجالات الأمن السيبراني، ومكافحة التطرف، وتفكيك الشبكات الإجرامية العابرة للقارات.
واستهل حموشي تحركاته الدولية بزيارة عمل إلى المملكة العربية السعودية، خلال الفترة الممتدة من 8 إلى 12 فبراير 2026، بدعوة من رئيس أمن الدولة السعودي، للمشاركة في النسخة الثالثة من “معرض الدفاع العالمي” بالرياض. وشكلت هذه المحطة مناسبة للاطلاع على أحدث التقنيات والتجهيزات في مجالات الأمن والدفاع، إلى جانب عقد مباحثات همت توسيع التعاون الاستخباراتي وتعزيز آليات المساعدة التقنية المتبادلة بين الرباط والرياض.
وفي أبريل الماضي، حط المسؤول الأمني المغربي بالسويد، حيث أجرى مباحثات مع وزير العدل السويدي ومسؤولين في الشرطة والأمن الداخلي. وأسفرت هذه اللقاءات عن توقيع مذكرة تفاهم أمنية شاملة، تشمل تبادل المعلومات والخبرات والتنسيق في ملفات الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية والأمن السيبراني.
وتوجت محطة السويد باقتراح انضمام المغرب إلى “الشبكة الأوروبية للبحث عن الأشخاص المبحوث عنهم”، في خطوة تعكس حجم الثقة التي باتت تحظى بها الأجهزة الأمنية المغربية داخل الدوائر الأوروبية، خاصة في مجال تعقب المطلوبين ومواجهة الجريمة المنظمة.
ومطلع ماي، انتقلت الدبلوماسية الأمنية المغربية إلى العاصمة النمساوية فيينا، حيث شارك الوفد المغربي في الاجتماع الجهوي الثالث والعشرين للأجهزة الاستخباراتية والأمنية، المنظم تحت إشراف الأمم المتحدة، بمشاركة دول عربية وإقليمية.
وخلال هذه المحطة، استعرض الوفد المغربي النموذج الأمني الوطني في مكافحة الإرهاب والتطرف، وهو نموذج يقوم على الاستباق، وتبادل المعلومات، والنجاعة العملياتية. كما أشادت السلطات النمساوية بالدور الذي تضطلع به المخابرات المغربية في إحباط مخططات إرهابية كانت تستهدف دولا أوروبية، معربة عن رغبتها في توسيع التعاون والاستفادة من الخبرة المغربية.
وبعد فيينا، توجه حموشي إلى تركيا يومي 7 و8 ماي 2026، بدعوة من المدير العام للشرطة الوطنية التركية، للمشاركة في الدورة الخامسة من معرض الصناعات الدفاعية والطيران والفضاء “SAHA 2026” بإسطنبول. وعرفت هذه الزيارة لقاءات مع مسؤولين في الاستخبارات الوطنية التركية وقطاع الصناعات الدفاعية، جرى خلالها بحث آفاق التعاون الأمني الثنائي، والاطلاع على آخر الابتكارات المرتبطة بالتجهيزات الأمنية والدفاعية.
وتبرز هذه الجولات المتتالية أن المغرب لم يعد حاضرا في معادلات الأمن الدولي بوصفه شريكا إقليميا فحسب، وإنما كفاعل أمني يملك خبرة مطلوبة في ملفات الإرهاب، والهجرة، والجريمة المنظمة، والتكنولوجيا الأمنية، وهي مجالات باتت في صلب أولويات الدول الكبرى.
كما تؤكد هذه التحركات أن الأجهزة الأمنية المغربية راكمت رصيدا مهما من الثقة الدولية، بفضل نجاعة تدخلاتها، ودقة معلوماتها، وقدرتها على الاشتغال في ملفات معقدة تتجاوز الحدود الوطنية، خصوصا في ظل تصاعد المخاطر الأمنية في منطقة الساحل والصحراء والفضاءين المتوسطي والأوروبي.