هاشتاغ
فجّر عبد الرحمان رابح، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، واحدة من أخطر الملفات المسكوت عنها داخل منظومة التعليم العالي بالمغرب، بعدما كشف عن ما وصفه بـ”اختلالات خطيرة” تضرب في العمق مصداقية سلك الدكتوراه، وتحوّل البحث العلمي من رافعة للتنمية إلى بؤرة للشك والتشكيك.
تصريحات النائب لم تكن مجرد انتقاد عابر، بل جاءت محمّلة باتهامات صريحة لواقع وصفه بالمنفلت، حيث تغيب المعايير الموحدة، وتُترك عمليات تقييم الأبحاث العلمية لاجتهادات فردية، في مشهد أقرب إلى الفوضى منه إلى منظومة أكاديمية يُفترض فيها الصرامة والشفافية.
والأخطر أن هذا الوضع – وفق المعطيات التي قدمها – لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة مباشرة لفراغ قانوني وتنظيمي طال أمده.
في قلب هذا الجدل، يبرز القانون الإطار لمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، الذي كان من المفترض أن يشكل نقطة تحول في إصلاح التعليم العالي، لكنه – بحسب رابح – جاء مبتوراً، بعدما تم إقصاء مقترحات أساسية كانت كفيلة بتصحيح مسار المنظومة.
وبدل أن تُدرج هذه التعديلات في نصوص واضحة، تم ترحيلها إلى مراسيم تطبيقية لا تزال حبيسة الوعود، ما فتح الباب أمام استمرار “الإعوجاجات البنيوية”.
النائب دق ناقوس الخطر بشأن غياب مرسوم تنظيمي دقيق يؤطر سلك الدكتوراه، معتبراً أن هذا الفراغ سمح بتسلل ممارسات غير منضبطة داخل بعض المؤسسات الجامعية، سواء على مستوى الإشراف أو التقييم.
وفي غياب رقابة فعالة، تحوّل هذا السلك – في بعض الحالات – إلى فضاء رمادي تتداخل فيه المصالح وتُطمس فيه معايير الاستحقاق.
لكن أكثر ما أثار الصدمة في مداخلة النائب، هو حديثه عن “شبكات مغلقة” لتبادل الأدوار في تقييم الأطروحات، عبر مجلات علمية “صورية” أنشأها بعض الفاعلين بشكل ذاتي، بل واتخذت من أماكن غير مهيأة – كمرائب – مقرات لها.
هذه المعطيات إن صحت تكشف عن منظومة موازية لإنتاج الشهادات، خارج كل ضوابط الجودة الأكاديمية، وتضرب في العمق صورة الجامعة المغربية.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أشار رابح إلى ما وصفه بـ”تفريخ دكاترة بلا قيمة علمية حقيقية”، في اتهام خطير يمس جوهر الشهادة الجامعية، ويطرح تساؤلات مقلقة حول مدى نزاهة بعض مسارات التكوين.
كما لم يستبعد وجود حالات مرتبطة ببيع الشواهد، وهي اتهامات، إن ثبتت، تضع المنظومة برمتها أمام أزمة ثقة حقيقية.
في مواجهة هذا الواقع، دعا النائب إلى إحداث قطيعة جذرية مع هذه الاختلالات، عبر سن ترسانة قانونية صارمة، وتوحيد معايير تقييم البحث العلمي وفق الضوابط الدولية، وربط منح الشهادات بمنظومة تحكيم دقيقة وشفافة، تستند إلى النشر في مجلات علمية معترف بها عالمياً.
ما كشفه البرلمان ليس مجرد نقاش تقني حول إصلاح سلك الدكتوراه، بل جرس إنذار مدوٍّ حول أزمة عميقة تهدد مصداقية البحث العلمي في المغرب.