أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في حوار مع مجلة “جون أفريك”، تحديد معالم المقاربة الفرنسية الجديدة تجاه القارة الإفريقية، واضعا المغرب في صدارة النماذج الإفريقية الصاعدة التي راكمت استقرارا مؤسساتيا ورؤية استراتيجية واضحة، في سياق تؤكد فيه باريس انتقالها من منطق النفوذ التقليدي إلى منطق الشراكات السيادية والمصالح المتبادلة.
وجاء حضور المغرب في خطاب ماكرون لافتا، خاصة أن الحوار تزامن مع ترسيخ الموقف الفرنسي الداعم للسيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية، وما خلفه هذا التحول من توتر واضح في العلاقات الفرنسية الجزائرية.
وفي معرض حديثه عن التحولات الديموغرافية والاقتصادية التي تشهدها إفريقيا، اعتبر ماكرون أن عددا من الدول الإفريقية تمكنت من تحقيق تقدم مهم بفضل الاستقرار ووضوح الرؤية، مستشهدا بالمغرب إلى جانب جنوب إفريقيا وكينيا، باعتبارها تجارب استطاعت بناء مسارات تنموية أكثر تماسكا داخل القارة.
ولم يأت هذا الاستشهاد خارج السياق، إذ ربط الرئيس الفرنسي صعود هذه النماذج بالحاجة إلى بناء سيادة رقمية وصناعية مشتركة بين أوروبا وإفريقيا، بما يتيح للطرفين تقليص التبعية للقوى الكبرى، وتطوير شراكات قائمة على الإنتاج والاستثمار ونقل الخبرة.
ويعكس استحضار المغرب في هذا الإطار اعترافا فرنسيا متجددا بالموقع الذي باتت تحتله المملكة داخل المعادلة الإفريقية، سواء من حيث الاستقرار السياسي، أو قوة البنيات الاقتصادية، أو حضورها المتنامي في مجالات الاستثمار والطاقة والخدمات والبنيات التحتية.
وفي جانب آخر من الحوار، كشف ماكرون بوضوح خلفيات التوتر الأخير مع الجزائر، رابطا إياه بالقرار الفرنسي المتعلق بملف الصحراء المغربية. وقال إن العلاقات الثنائية مع الجزائر عرفت توترا بسبب القرار الذي اتخذته باريس بشأن الصحراء، مؤكدا أن الأمر يتعلق بخيار سيادي فرنسي تم اتخاذه مع دولة أخرى، في إشارة إلى المغرب.
ويحمل هذا التصريح دلالة سياسية واضحة، مفادها أن باريس لم تعد تقبل رهن خياراتها الاستراتيجية في المنطقة بحسابات الجزائر، خاصة عندما يتعلق الأمر بعلاقتها مع الرباط، التي باتت تحظى بموقع متقدم داخل التصور الفرنسي الجديد للشراكة مع إفريقيا.
ورغم إقرار ماكرون بوجود صعوبات في العلاقة مع الجزائر، فقد حرص على تقديم مقاربة براغماتية تقوم على البحث عن علاقات مستقرة مع جميع الأطراف، مع الإشارة إلى وجود قوى سياسية داخل فرنسا والجزائر لا ترغب في تحسن العلاقات بين البلدين.
وفي الملف الأمني، خاصة في منطقة الساحل، أعلن الرئيس الفرنسي نهاية مرحلة القواعد العسكرية الدائمة، مؤكدا أن بلاده تتجه نحو نموذج جديد يقوم على الدعم عند الطلب، وتكوين الجيوش الوطنية، واحترام سيادة الدول، وهي مقاربة تلتقي في عدد من جوانبها مع الرؤية المغربية القائمة على التعاون الإفريقي، وبناء القدرات المحلية، وعدم تحويل الأمن إلى وصاية خارجية.
ويظهر من خلال هذا الحوار أن باريس تعيد ترتيب أوراقها الإفريقية على قاعدة جديدة، عنوانها الشركاء الموثوقون، والسيادة المشتركة، والاستثمار المنتج. وفي قلب هذه المعادلة، يحضر المغرب باعتباره فاعلا إقليميا مستقرا، وصاحب رؤية إفريقية واضحة، وشريكا قادرا على لعب دور محوري في الربط بين أوروبا وإفريقيا.