لم تعد الجزائر تخفي طبيعة تحركاتها في الفضاء المغاربي، بعدما حولت اجتماع اللجنة المشتركة الكبرى مع موريتانيا إلى منصة مكشوفة لتوزيع الإغراءات السياسية والاقتصادية، في محاولة جديدة لجر نواكشوط نحو الاصطفاف خلف الطرح الانفصالي في ملف الصحراء المغربية.
إن ما جرى في الجزائر بدا أقرب إلى محاولة مدروسة لاستعمال الاتفاقيات والوعود القطاعية كورقة ضغط سياسي هدفها المباشر إبعاد موريتانيا عن منطق التوازن، ودفعها إلى التموضع في المنطقة الرمادية التي تخدم أجندة معادية للوحدة الترابية للمملكة.
الجزائر، التي فشلت طويلا في كسب المعركة السياسية والدبلوماسية حول الصحراء المغربية، تحاول اليوم تعويض هذا العجز عبر بوابة الإغراء الاقتصادي، بعدما أدركت أن ميزان الشرعية الدولية لم يعد يميل لصالحها، وأن المبادرة المغربية للحكم الذاتي تواصل ترسيخ موقعها باعتبارها الحل الجدي والواقعي وذي المصداقية.
لذلك لم يكن غريبا أن تسارع إلى إغراق الجانب الموريتاني بسيل من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في قطاعات حيوية، من الطاقة إلى التجارة، ومن الأمن إلى النقل والتعليم والصيد البحري، في محاولة لصناعة تبعية سياسية مغلفة بلغة التعاون الثنائي.
هذه المقاربة تكشف، مرة أخرى، أن النظام الجزائري لا يتحرك بمنطق بناء فضاء مغاربي متكامل، بل بعقلية الصراع المفتوح مع المغرب (..) فهو لا يرى في أي انفتاح إقليمي فرصة للتكامل، بل مناسبة لتصفية الحسابات ومحاصرة الرباط.
ومن هنا يمكن فهم هذا السخاء المفاجئ تجاه موريتانيا، والذي لا ينفصل عن هاجس جزائري قديم عنوانه: كيف يمكن إضعاف الزخم المغربي المتصاعد في ملف الصحراء، وكيف يمكن التشويش على الحضور الوازن للمملكة في محيطها الإفريقي والأطلسي.
لكن ما يبدو أكثر إثارة للانتباه هو وضعية موريتانيا نفسها، وهي تدخل هذا المسار محاطة بحسابات دقيقة.
فعندما تقبل نواكشوط الانخراط في هذا النوع من الرسائل السياسية المبطنة، فإنها تضع نفسها أمام اختبار حساس يتعلق بصدقية خطابها حول الحياد (..) لأن الحياد لا يستقيم عندما يتحول التعاون الثنائي إلى أداة تستعملها الجزائر لاستهداف المغرب (..) والحياد لا يظل محترما عندما يفسح المجال أمام مناورات تستهدف التوازن الإقليمي وتخدم طرحا متجاوزا سياسيا ودبلوماسيا.
المغرب، في المقابل، لا يحتاج إلى مناورات ملتبسة ولا إلى صفقات ظرفية من أجل تثبيت مشروعية موقفه (..) فالمملكة المغربية، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، بنت مسارا واضحا وقويا، قوامه الشرعية التاريخية، والواقعية السياسية، والدبلوماسية الهادئة، والانفتاح الاقتصادي المسؤول.
وهو مسار منح المغرب مكانة متقدمة على المستوى الدولي، وجعل من مبادرة الحكم الذاتي عنوانا للحل (..) ولهذا السبب تبدو التحركات الجزائرية أشبه بمحاولات يائسة للسباحة ضد التيار، في وقت تتجه فيه عواصم القرار الكبرى إلى التعامل مع الطرح المغربي بوصفه الأرضية الأكثر جدية لإغلاق هذا النزاع المفتعل.
لقد أثبت الملك محمد السادس، من خلال الرؤية الاستراتيجية التي يقود بها هذا الملف، أن المغرب لا يتحرك برد الفعل، بل بالفعل الهادئ والواثق. وبينما تنشغل الجزائر بمحاولة شراء المواقف وتغذية الاصطفافات، واصل المغرب تقوية حضوره في إفريقيا، وتوسيع شراكاته، وتحصين موقعه الإقليمي، وفرض منطقه القائم على التنمية والاستقرار والوضوح.
وهذه هي النقطة التي تؤلم خصومه أكثر من غيرها (..) أن المملكة المغربية تتقدم بثبات، من دون صخب، ومن دون حاجة إلى افتعال الأزمات.
ثم إن الرهان الجزائري على موريتانيا يكشف، في عمقه، حجم المأزق الذي وصل إليه هذا البلد في ملف الصحراء. فلو كانت أطروحته تملك قوة الإقناع، لما احتاج إلى كل هذا الجهد من الاستمالة والضغط والمناورة.
وعندما يصبح الهدف هو انتزاع موقف من نواكشوط بأي ثمن، فذلك يعني أن الجزائر تدرك جيدا أن الأرض تنسحب من تحت خطابها، وأنها تحاول، في لحظة ارتباك، صناعة سند سياسي مصطنع في مواجهة واقع دولي يتغير بسرعة لصالح المغرب.
أما موريتانيا، فإن مصلحتها الحقيقية لا تكمن في الارتهان لإغراءات عابرة، بل في الحفاظ على توازنها، وصيانة علاقتها مع المغرب، والوعي بأن الرباط ليست طرفا عاديا في المعادلة، بل شريك استراتيجي عميق الجذور، وقوة استقرار حقيقية في المنطقة.
وكل قراءة بعيدة عن الانفعال تؤكد أن المستقبل لا يوجد في الاصطفاف وراء نزعات عدائية، بل في الانفتاح على منطق التعاون الصادق الذي يمثله المغرب بقيادة ملكه.
هكذا، لا تبدو اللجنة الجزائرية الموريتانية مجرد موعد ثنائي عادي، بل حلقة جديدة في مسلسل جزائري مكشوف عنوانه توظيف الاقتصاد لخدمة العداء السياسي. غير أن الثابت الذي يتكرر في كل محطة هو أن المغرب، بقيادة الملك محمد السادس، يظل أكبر من هذه المناورات، وأقوى من هذه الحسابات، وأرسخ من كل محاولات التشويش التي تتكسر تباعا على صخرة الشرعية والوضوح والثبات.