هل يُسقط الملك حكومة الفراقشية؟

عبد الكريم العمراني/هاشتاغ
دخلت حكومة عزيز أخنوش التاريخ من أضيق أبواب المفارقات السياسية، بعدما تحولت أزمة الأضاحي إلى محاكمة شعبية مفتوحة لحصيلة الوعود والتطمينات ومليارات الدعم التي صرفت باسم حماية القدرة الشرائية.

حكومة رفعت شعار الدولة الاجتماعية فانتهى بها الأمر أمام سؤال ثقيل يهز صورتهاوهو ؛ هل بلغ الغضب الشعبي مستوى يدفع نحو إسقاط حكومة الفراقشية التي تبخرت في عهدها المليارات، واختفت الأضاحي، ووجد المغاربة أنفسهم أمام عيد مثقل بالغلاء والخذلان؟

فبعد أربع سنوات من الدعم والإعفاءات والوعود والتطمينات، وجد المغاربة أنفسهم أمام مشهد عبثي: أسعار أضاحي تحلق في السماء، أسواق شبه فارغة، وقطيع تبخر رغم مليارات الدراهم التي صُرفت باسمه.

إنها قصة حكومة قررت أن تدبر أزمة الأمن الغذائي بمنطق الفراقشية حيث مليارات الدراهم تدفقت تحت شعار حماية القدرة الشرائية ودعم استيراد الأغنام والأبقار وإعادة تشكيل القطيع الوطني، بينما النتيجة الحقيقية كانت تضخم ثروات الوسطاء والمستوردين، مقابل سحق جيوب المواطنين وتحويل الأضحية إلى حلم مؤلم لآلاف الأسر المغربية.

إن الأرقام التي خرجت إلى العلن لم تعد صادمة فقط، بل تحولت إلى فضيحة سياسية وأخلاقية مكتملة الأركان فأزيد من 2800 مليار سنتيم صرفت في دعم مباشر وغير مباشر، ثم أضيفت إليها أكثر من 6 مليارات درهم لإعادة تشكيل القطيع الوطني، ومع ذلك لم تنخفض أسعار اللحوم، ولم تستقر الأسواق، ولم يشعر المغاربة بأي أثر لهذا السخاء المالي الذي بدا وكأنه يوزع على شبكات النفوذ أكثر مما يوجه لحماية المجتمع.

الحكومة لم تكلف نفسها حتى عناء الدفاع عن اختياراتها أو مواجهة الرأي العام بشفافية فلا توضيحات مقنعة، لا كشف حقيقي للمستفيدين، لا مساءلة سياسية، لا إحساس بحجم الكارثة الاجتماعية التي انفجرت في الأسواق.

وحتى عندما بدأت التحقيقات الصحافية تكشف بالأرقام كيف تبخرت المليارات، اختارت الحكومة الصمت، وكأن المال العام لا أصحاب له، وكأن المغاربة فقط ممولين صامتين لاقتصاد الريع والمضاربة.

لقد تحولت الدولة الاجتماعية في عهد هذه الحكومة إلى مشروع لتسمين الفراقشية حيث حكومة تدعم لوبيات الاستيراد بسخاء غير مسبوق، ثم تطلب من المواطن شد الحزام وتحمل الغلاء والجفاف والأزمات.

فعندما يصبح المستورد أقوى من السوق، والوسيط أقوى من الدولة، والمضارب أكثر نفوذا من المؤسسات، فإننا لا نكون أمام اختلال اقتصادي فقط، وإنما أمام انهيار خطير في معنى الحكامة نفسها.

إن الحكومة التي جاءت بشعار محاربة الريع انتهت إلى إعادة إنتاجه بشكل أكثر فجاجة بل إن المغاربة أصبحوا يشعرون بأن شؤون البلاد تدبر بعقلية الفراقشية حيث نجد كثير من الوسطاء، كثير من الامتيازات، كثير من الغموض، وقليل جدا من الشفافية والمحاسبة.

وحتى البرلمان الذي يفترض أن يكون فضاء للرقابة وربط المسؤولية بالمحاسبة، تحول إلى ساحة لإطفاء النقاش ومحاصرة أي محاولة لفتح تحقيق سياسي حقيقي في مصير هذه الأموال.

لقد حُرم المغاربة من عيدين متتاليين بطريقة مهينة حيث العام الماضي ألغي العيد تحت ضغط الضرورة، وهذا العام سُرقت فرحة العيد تحت ضغط الغلاء واختفاء الأضاحي من الأسواق.

وبين العامين كانت الحكومة تواصل تسويق لغة النجاح والتوازن والسيطرة على الوضع، بينما الواقع كان يكتب رواية أخرى بالكامل، رواية شعب يزداد إنهاكا، وفئة محدودة تزداد ثراء.

وفي الدول التي تحترم معنى المسؤولية السياسية كانت فضيحة بهذا الحجم كافية لإسقاط حكومة بأكملها أو على الأقل لدفع وزراء إلى الاستقالة وفتح تحقيقات صارمة حول مصير المال العام.

أما في المغرب الحبيب فقد بدا الواقع وكأن شيئا لم يقع، لا اعتراف بالفشل، لا مراجعة للاختيارات، لا إحساس بالخجل السياسي، وكأن تبخر المليارات واختفاء القطيع الوطني حدث عادي يمكن دفنه وسط البلاغات والتطمينات الباردة.

إن ما وقع تجاوز بكثير قضية الأغنام والأضاحي إذ أننا أمام أزمة ثقة حقيقية بين المواطن والمؤسسات حيث عندما يشعر المغاربة أن ضرائبهم تتحول إلى أرباح خاصة لفئة قليلة، بينما هم يواجهون الغلاء والعجز والإهانة داخل الأسواق، فإن أخطر ما يُذبح في النهاية ليس الأضحية، وإنما ما تبقى من ثقة في السياسة وفي مؤسسات الدولة نفسها.

عزيز أخنوش وحكومته مطالبون اليوم بتحمل مسؤوليتهم السياسية والأخلاقية كاملة أمام المغاربة. لأن الفشل لا يقاس بعدد الخطابات ولا بحجم حملات التواصل، وإنما بما يحدث داخل الأسواق وداخل جيوب المواطنين.

وعندما تتحول مناسبة دينية واجتماعية بهذا الحجم إلى كابوس جماعي، فإن الحديث عن الاستقالة لا يصبح مزايدة سياسية، وإنما الحد الأدنى من احترام ذكاء المغاربة وكرامتهم.

لقد ذُبحت أشياء كثيرة قبل أن تُذبح الأضاحي. ذُبحت الثقة، وذُبح الأمل، وذُبحت صورة “الدولة الاجتماعية” التي رفعتها الحكومة شعارا انتخابيا.

أما الفراقشية فقد خرجوا من القصة أكثر قوة ونفوذا تاركين المغاربة وحدهم أمام فاتورة ثقيلة عنوانها الكبير: حكومة تدعم الوسطاء وتترك الشعب يواجه الغلاء والخذلان في صمت..

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك