تكشف واردات الغاز الطبيعي خلال يونيو 2026 عن عودة قوية للطلب الطاقي بالمغرب، بعدما بلغت الإمدادات القادمة عبر أنبوب الغاز المغاربي الأوروبي نحو 69 مليون متر مكعب. هذه القفزة لا تقرأ بمعزل عن حاجة محطات إنتاج الكهرباء، ولا عن اتساع الفجوة بين الاستهلاك الوطني والإنتاج المحلي، ولا عن هشاشة الارتهان لتقلبات سوق الغاز الدولية.
وتفيد الأرقام المتوفرة بأن إجمالي واردات المغرب من الغاز الطبيعي منذ بداية سنة 2026 تجاوز 278 مليون متر مكعب، ما يجعل واردات يونيو وحدها تقترب من ربع الحجم المسجل إلى حدود منتصف السنة. وهذا الرقم يمنح صورة واضحة عن تسارع الاستهلاك، وعن عودة الغاز إلى موقع محوري داخل معادلة الطاقة الوطنية، في ظرف يتسم بارتفاع الطلب على الكهرباء واتساع الحاجة إلى مصادر إمداد مستقرة.
ويواصل المغرب الاعتماد على أنبوب الغاز المغاربي الأوروبي باعتباره ممرا حيويا للتزود بالغاز في اتجاه عكسي انطلاقا من إسبانيا، بعد توقف الإمدادات التقليدية سنة 2021. فقد تحول هذا الأنبوب، الذي كان يوفر سابقا حوالي 60 في المائة من حاجيات المملكة من الغاز الطبيعي، إلى شريان طاقي استراتيجي لضمان استمرار الإمدادات وتخفيف الضغط على المنظومة الكهربائية.
وتبرز الأرقام أن الطلب الوطني على الغاز يناهز مليار متر مكعب سنويا، في حين يبقى الإنتاج المحلي محدودا في حدود 100 إلى 120 مليون متر مكعب، ما يضع نسبة الاعتماد على الاستيراد في مستويات تتجاوز 85 إلى 90 في المائة. وهذه الوضعية تجعل المغرب أمام رهان مزدوج: تأمين الإمدادات من جهة، وتقليص هشاشة التبعية للأسواق الخارجية من جهة أخرى.
ويأتي ارتفاع واردات يونيو ليعيد إلى الواجهة كلفة الاستيراد وتقلبات السوق الدولية، خصوصا أن أسعار الغاز تظل مرتبطة بتحركات سوق الغاز الطبيعي المسال، وبالطلب الأوروبي والعالمي، وبحسابات العرض في ظرف دولي شديد الحساسية. كما يفرض هذا الواقع تسريع مشاريع التخزين وإعادة التغويز، وتطوير البنية التحتية الطاقية، حتى لا يبقى الأمن الطاقي الوطني رهينا بتقلبات الخارج وارتفاع الحاجيات الداخلية.
وبين ضغط الاستهلاك وحاجة الكهرباء وتذبذب الأسواق الدولية، تكشف أرقام الغاز لشهر يونيو أن المغرب مقبل على مرحلة تتطلب رؤية طاقية أكثر صرامة، قادرة على حماية التزود، وضبط الكلفة، وتوسيع هامش السيادة الطاقية في سوق لا يرحم الدول التي تتأخر في بناء بدائلها.