الجزائر أمام ارتداد دبلوماسي في ملف الصحراء المغربية

تجد الجزائر نفسها اليوم في زاوية دبلوماسية ضيقة بعدما بدأت ملامح التحول الدولي في ملف الصحراء المغربية تفرض قواعد جديدة على حسابات قصر المرادية. فالمسار الذي ظلت الرباط تبنيه بهدوء وثبات، عبر توسيع الاعتراف بمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، أخرج الموقف الجزائري من منطق المناورة إلى مربع التراجع المحسوب تحت ضغط الوقائع.

لم يعد ممكنا للنظام الجزائري أن يتجاهل حجم التحول الذي تعرفه قضية الصحراء داخل المنتظم الدولي. فالدينامية الجديدة لم تعد تمنح مكانا واسعا للخطابات القديمة، ولا للأطروحات التي استنزفت المنطقة لعقود. ومع ذلك، يحاول صانع القرار الجزائري تقديم هذا الانكماش السياسي كما لو كان مكسبا، عبر إعادة تسويق الهزيمة الدبلوماسية في قالب انتصار داخلي موجه للاستهلاك المحلي.

الخطاب الأخير لوزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف كشف جزءا من هذا الارتباك. فقد بدا واضحا أن الجزائر تسعى إلى إعادة تموضع لغوي وسياسي، بعدما تراجعت تعبيرات كانت إلى وقت قريب تشكل عمود خطابها الرسمي، وفي مقدمتها الإحالة المتكررة على ما يسمى بـ”الجمهورية الصحراوية”، مقابل التركيز على جبهة البوليساريو كطرف يمكن أن يدخل في مسار تفاوضي مع المغرب على قاعدة الحكم الذاتي.

هذا التحول لا ينفصل عن تراكم سلسلة من الإخفاقات الاستراتيجية. فقد أنفقت الجزائر خلال خمسة عقود إمكانات مالية ودبلوماسية وسياسية ضخمة لدعم مشروع انفصالي لم ينجح في فرض نفسه على طاولة الحلول الدولية. وكانت الغاية الأساسية من هذا الرهان خلق كيان جنوب المغرب يمنح الجزائر منفذا نحو الأطلسي، وفي الوقت نفسه إرباك المسار التنموي للمملكة عبر نزاع طويل ومكلف.

غير أن الرهان الجزائري انتهى إلى مأزق مكشوف. فمخطط الحكم الذاتي المغربي بات يحظى بدعم دولي متزايد، وقرارات مجلس الأمن الأخيرة كرست واقعا سياسيا جديدا يجعل من هذا المقترح الأرضية الواقعية والجدية لإنهاء النزاع. وبذلك، وجدت الجزائر نفسها أمام معادلة صعبة: إما مواصلة المكابرة مع تعميق العزلة، أو قبول الانتقال التدريجي نحو لغة جديدة تساير اتجاه الرياح الدولية.

وتحاول الدبلوماسية الجزائرية، في هذا السياق، إقناع الرأي العام الداخلي بأن قبول الحديث عن مفاوضات بين المغرب والبوليساريو يمثل مكسبا لها، بينما تكشف القراءة السياسية أن الأمر يتعلق بتراجع اضطراري أمام مسار دولي بات يضع الحل داخل إطار السيادة المغربية، لا خارجها.

ويزيد من ضيق الهامش الجزائري تنامي النظرة الدولية إلى مخيمات تندوف وما يرتبط بها من مخاطر أمنية في منطقة الساحل والصحراء. فاستمرار احتضان تنظيم مسلح فوق التراب الجزائري يجعل النظام أمام أسئلة ثقيلة، خاصة مع تصاعد النقاشات في دوائر غربية حول طبيعة هذه الجماعة واحتمال إدراجها ضمن قوائم التنظيمات الإرهابية.

هذا السيناريو يمثل هاجسا حقيقيا للجزائر، لأنه قد يحولها من طرف يرفع شعار دعم “تقرير المصير” إلى دولة مطالبة بتقديم توضيحات حول احتضان حركة مسلحة، في سياق إقليمي شديد الحساسية. لذلك يبدو التراجع الجزائري اليوم أقرب إلى محاولة وقائية لتجنب كلفة أكبر قد يفرضها المستقبل القريب.

لقد رفضت الجزائر، لسنوات طويلة، كل المبادرات الهادئة والوساطات التي كان يمكن أن تفتح باب حل سياسي متوازن يحفظ ماء الوجه للجميع. كما تجاهلت أكثر من مرة اليد الممدودة من الملك محمد السادس لبناء علاقات جديدة بين البلدين. واليوم، يعود النظام إلى النقطة نفسها، لكن بشروط دولية أصعب وهامش مناورة أضيق.

المفارقة أن ما كان ممكنا قبوله بالأمس من موقع المبادرة، يجري التعامل معه اليوم من موقع الاضطرار. فالعالم يتحرك بسرعة نحو ترسيخ مغربية الصحراء، والمشروع الانفصالي يفقد آخر أوراقه السياسية، بينما تجد الجزائر نفسها أمام رقعة تضيق كل يوم، بعدما استثمرت نصف قرن في معركة لم تعد تمنحها سوى كلفة العزلة والتراجع.

إن ما يجري ليس انتصارا جزائريا كما تحاول الدعاية الرسمية تسويقه، بل بداية اعتراف ضمني بأن الزمن الدولي تغير، وأن ملف الصحراء المغربية دخل مرحلة الحسم السياسي الواقعي. أما الاستمرار في تغليف التراجع بعبارات الانتصار، فلن يغير من الحقيقة شيئا: الجزائر لم تعد تصنع إيقاع الملف، بل أصبحت تحاول النجاة من ارتدادات خسارته.

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك