كلما زأر المغرب بحث كابرانات قصر المرادية عن ضحية

تبحث ماكينة الدعاية الجزائرية عن أي شرارة صغيرة لتحويلها إلى حريق سياسي موجه ضد المغرب، ومع كل تألق جديد لـ«أسود الأطلس» في مونديال 2026، تتجه الأبواق الإعلامية إلى التضخيم والشحن والاتهام وصناعة ضحية جاهزة للاستهلاك الداخلي.

وهذه المرة، وجدت السلطة في واقعة غامضة داخل منطقة المشجعين في بوسطن مادة للهروب من نكسات منتخبها وفوضى جماهيره، فجرى تقديم شاب جزائري كعنوان لمؤامرة كبرى، وتحولت رواية مرتبكة إلى قضية دولة.

بدأت الحكاية مع ظهور شاب يرتدي قميص المنتخب الجزائري وسط جماهير مغربية خلال أجواء مباراة المنتخب الوطني أمام هولندا، قبل انتشار مقاطع قصيرة على منصات التواصل، تلقفتها قنوات وصفحات جزائرية بروح التحريض بعيدا عن التحقق.

وأظهرت الصور المتداولة وضعا ملتبسا، ومشجعين مغاربة يحيطون بالشاب، وسط محاولات لإفساح المجال أمام مساعدته، من دون أي لقطات تثبت رواية الاعتداء التي جرى الترويج لها بكثافة.

وكان الإعلام الموجه في الجزائر يبحث عن مادة تصلح لتشويه صورة الجمهور المغربي، بالتزامن مع ليلة كروية صنع فيها المغرب حدثا رياضيا جديدا في الولايات المتحدة.

وهكذا تحولت لقطة قصيرة إلى رواية أمنية، وتحول شاب مغمور إلى ورقة دعائية في خطاب رسمي يفتش باستمرار عن خصم خارجي لتبرير أزماته الداخلية.

ووصل التصعيد إلى قصر المرادية، بعدما قرر الرئيس عبد المجيد تبون اقتحام القصة شخصيا، متحدثا أمام الكاميرات عن متابعة وضعية الشاب «وسيم»، وموجها سفير بلاده في واشنطن للتحرك، قبل توجيه دعوة إليه لحضور مباراة الجزائر وسويسرا في كندا.

وبذلك وجد رئيس دولة نفسه في قلب قصة ملتبسة داخل منطقة مشجعين، وكأن الجزائر أنهت أزماتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ولم يبق أمامها سوى إدارة رواية إعلامية صنعتها منصات الشحن.

هذا الانخراط الرسمي كشف حجم الإفلاس الاتصالي لدى النظام الجزائري. وبدلا من فتح نقاش داخلي حول إخفاقات المنتخب، وتزايد صور الفوضى المرتبطة ببعض جماهيره في المونديال، اختارت السلطة رمي التهمة على المغرب، واستدعاء خطاب الضحية، ورفع واقعة محدودة إلى مستوى استهداف وطني.

ومن يمنح الدروس في الروح الرياضية يواجه سيلا من الصور والتقارير حول تجاوزات خطيرة نُسبت إلى مجموعات من المشجعين الجزائريين خلال البطولة نفسها. ففي الدوحة تحولت منطقة الدفنة، عقب مباراة الجزائر والأردن، إلى ساحة مواجهات وفوضى، استدعت تدخلا أمنيا قطريا حازما، وأسفرت، وفق المعطيات المتداولة، عن توقيف عدد من الأشخاص بسبب أعمال شغب مست بأمن الفضاء العام.

وفي نيويورك، وجدت الشرطة نفسها أمام تجمعات مشحونة عشية مباراة الجزائر والأرجنتين، بعدما تسببت مجموعات من المشجعين في توتر داخل منطقة سياحية مكتظة وسط حضور عائلات وأطفال وسياح. هذه الوقائع، الموثقة بالصور والشهادات، جرى التعامل معها في الجزائر بصمت ثقيل، لأن الاعتراف بها يهدم الرواية الرسمية التي تقدم مشجعيها كضحايا دائمين والجمهور المغربي كمتهم جاهز.

ثم جاءت صور السلوك المشين داخل المدرجات عقب خسارة المنتخب الجزائري أمام الأرجنتين بثلاثية نظيفة، لتمنح العالم نموذجا آخر عن الانفلات الذي تتهرب السلطة من مواجهته. وبدلا من الاعتذار ومراجعة خطاب الشحن، اختارت آلة الدعاية صناعة رواية مضادة في بوسطن عنوانها اتهام مغاربة بالاعتداء على شاب جزائري، من دون سند واضح يؤكد ما جرى الترويج له.

إن الأزمة تتجاوز واقعة مشجع. إنها طريقة حكم تقوم على تعبئة الغضب، وصناعة الخصوم، وتحويل كرة القدم إلى ساحة تصفية سياسية ونفسية. النظام الجزائري يوظف المدرجات والقنوات والمنصات وحتى التصريحات الرئاسية لإبقاء جمهوره في حالة استنفار دائم ضد المغرب، لأن أي نجاح مغربي يتحول في خطابه إلى تهديد يستوجب حملة مضادة.

وتبدو قضية الشاب «وسيم» حلقة جديدة ضمن سلسلة طويلة من صناعة الوهم. السلطة تحتاج إلى قصة تضخ بها جرعات جديدة من العداء، والإعلام الرسمي يحتاج إلى مادة تغطي عجزه عن تفسير الإخفاق، والذباب الإلكتروني يحتاج إلى وقود جديد لمهاجمة المغرب. الجميع وجد في بوسطن ساحة مناسبة، فانطلقت الجوقة من دون انتظار تحقيق أو بيان أمني أو دليل حاسم.

أما المغرب، فواصل حضوره الهادئ داخل الملاعب، بجمهور يحتفل ومنتخب يصنع النتائج وصورة دولية تتعزز مع كل محطة. لذلك يبدو استهداف الجمهور المغربي محاولة للتشويش على الزخم الرياضي الذي تجاوز حدود الملعب، وصار عنوانا لثقة وطنية جديدة تزعج نظاما اعتاد قياس نجاحه بقدر ما يهاجم جاره.

وتكشف ضجة بوسطن مأزق سلطة وجدت نفسها محاصرة بنجاحات المغرب وبأعطابها الخاصة. وكلما تعثر خطابها في تقديم إنجاز ملموس، لجأت إلى الوصفة نفسها: تضخيم حادث، واختراع خصم، وتعبئة الكراهية، ثم تقديم الجزائر في صورة الضحية. أما الوقائع، فتواصل رسم صورة مغايرة أمام الرأي العام الدولي.

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك