هاشتاغ _ مولاي أحمد الأمراني
كل صباح يخرج المواطن المغربي إلى الشارع وفي قلبه دعاء صغير وفي جيبه خوف كبير، ثم يقف أمام محطة الوقود كما يقف التلميذ أمام سبورة النتائج، يتأمل الأرقام بعين زائغة وابتسامة مكسورة، ويحاول أن يفهم كيف صار ملء الخزان أقرب إلى مشروع استثماري طويل الأمد.
وفي الجهة الأخرى، يجلس السيد رئيس الحكومة بكامل وقاره السياسي، يراقب لهيب الأسعار وهو يصعد، ويضع على وجهه تلك الملامح التي تقول إن كبدته فعلا تحترق حسرة على هذا الشعب الذي صار يقتسم مع البنزين صفة الاشتعال.
يا للوجع الوطني النبيل.
الرجل حزين.
حزين جدا.
حزين إلى درجة أن الأسعار تواصل الصعود في هدوء وثقة واطمئنان، كأنها أخذت الضوء الأخضر من حزنه الشخصي.
أخنوش كما يبدو، ليس رئيس حكومة عندما ترتفع المحروقات فهو مواطن بسيط فوجئ بالأثمنة مثل الجميع، مر من أمام المحطة، نظر إلى اللوحة، وضع يده على قلبه، ثم قال في سره: “آه يا جيوب المغاربة” وبعدها استقلَّ سيارته ومضى ليواصل تدبير الشأن العام بنفس البرودة التي يواصل بها العداد ابتلاع الدراهم.
الرجل ليس بعيدا عن قطاع المحروقات، ولا غريبا عن لغة الأرباح، ولا سائحا سياسيا نزل علينا بالصدفة من جبال الأنديز.
لا، هو يعرف البيت من الداخل، ويعرف الباب والمفتاح والسرداب، ويعرف من أين يدخل اللتر، ومن أين يخرج الربح، ومع ذلك يطل علينا كل مرة بملامح المتألم الذي ضاقت به السبل، وكأن الحكومة عنده مؤسسة خيرية تطلب العطف من المواطنين، لا جهازا للتقرير والتدخل والحسم.
المغربي المسكين صار مطالبا بأمرين في وقت واحد: أن يدفع، وأن يتعاطف.
يدفع ثمن الوقود، ويدفع ثمن النقل، ويدفع ثمن الخضر، ويدفع ثمن الصمت الرسمي الملفوف بورق الشفقة ثم يُقال له إن رئيس الحكومة متحسر عليك، فاهدأ قليلا واحترم حرارة كبدته.
أي سخرية هذه التي تجعل من صاحب القرار أكبر المتألمين من القرار نفسه؟
الرجل في القمرة، ويداه قرب المقود، والطريق أمامه، والسيارة باسمه، ثم يلتفت إلى الركاب صارخا: “من هذا الذي يقود بنا إلى الغلاء؟”
وعندما يشتد اللهب، تبدأ الأسطوانة المعروفة ؛ الحرب الإيرانية، السوق الدولية، التقلبات، التوازنات، الرياح القادمة من الخارج، أمواج البورصة، مزاج العالم، حركة الكواكب، وربما رطوبة الطقس، فكل شيء يتحمل المسؤولية إلا ذلك الكرسي الجالس فوقه رئيس الحكومة بكامل أناقته السياسية وربطة عنقه المطمئنة.
هكذا صار المغربي يرى العجب:
محطات الوقود تبتسم
العداد يركض
الأسعار تقفز
والحكومة تتألم بأدب
أما أخنوش، فله في هذه الرواية دور إنساني رفيع، فهو رجل يتفرج على جيوب المغاربة وهي تنكمش، ثم يربت على كتفهم من بعيد، كأنه يقول لهم: “صدقوني، أنا أيضا أتألم حين أراكم تتألمون”.
وطبعا، لا شيء يخفف على المواطن قسوة الغلاء أكثر من هذه المواساة الفاخرة التي لا تنزل درهما واحدا من سعر الغازوال.
في المغرب، صار البنزين أغلى من الوعود، وصار الغازوال أسرع من الحكومة، وصارت الحسرة الأخنوشية سلعة متوفرة أكثر من التخفيضات.
وكلما صعد الثمن، نزل خطاب
الحيلة: لا قدرة لنا، لا يد لنا، لا سلطان لنا على هذا اللهب وكأن المغاربة انتخبوا لجنة لمراقبة الحرائق، لا حكومة يفترض فيها أن تمنع اشتعال البيت.
وكل ما يفهمه الجميع من دون حاجة إلى ناطق رسمي هن أن جيب المغربي صار محطة مفتوحة طول اليوم، يدخلها اللهب متى شاء، بينما السيد رئيس الحكومة يلوح من بعيد بكبدة محترقة، وحزن ثقيل، ونظرة تقول إن الرجل متأثر جدا… تأثرا لا يزعج الأسعار أبدا.