نزار بركة يعلن اصطفاف حزب الاستقلال ضد المغاربة

في امتحان المحروقات، سقط حزب الاستقلال سياسيا قبل أن يبدأ في كتابة بلاغ الدفاع. فالحزب الذي طالما استهلك خطاب القدرة الشرائية والتعادلية الاجتماعية وجد نفسه، عند لحظة التصويت، بعيدا عن مطلب يهم ملايين المغاربة الذين يدفعون ثمن الغازوال والبنزين والنقل والغلاء من أعصابهم ودخلهم اليومي.

القصة لا تحتاج قاموسا اقتصاديا ولا دروسا في الأسواق الدولية. كان هناك مقترح يضع أسعار المحروقات تحت الضغط، وكانت هناك لحظة حسم داخل البرلمان، وكان على حزب نزار بركة أن يختار موقعه. اختار الحزب الابتعاد عن الجواب الواضح، ثم خرج لاحقا ليغرق المغاربة في شروحات طويلة حول الهوامش والمقاصة والتوازنات.

هذا النوع من التبرير لا يمحو الحقيقة السياسية. حزب الاستقلال يتحدث عن مواجهة أرباح شركات التوزيع، لكنه تراجع عندما حضرت فرصة لإحراج هذا “اللوبي” داخل المؤسسة التشريعية. يرفع شعار ضبط السوق، ثم يفر من معركة كانت ستمنحه فرصة الوقوف في صف المواطنين دون تكلفة سياسية ثقيلة.

إن نزار بركة، الذي يقود حزبا يفاخر بإرث اجتماعي طويل، وجد نفسه في موضع سياسي شديد الحرج، حيث عندما تتحدث قيادة حزب الاستقلال عن حماية جيوب المغاربة ثم تتفادى دعم مقترح يخص أسعار الوقود، فإنها تمنح خصومها والشارع مادة جاهزة للسؤال: هل بقي من التعادلية غير الاسم؟

والأشد إيلاما أن الحزب حاول الاحتماء بفزاعة المقاصة، وكأن أي ضغط على أسعار المحروقات يعني إغراق خزينة الدولة، وهذه مناورة خطابية مكشوفة، لأن النقاش كان يمكن أن يتجه نحو تسقيف الأرباح، وتقوية الرقابة، وربط الأسعار بكلفة الاستيراد، وفتح حساب شركات التوزيع أمام المساءلة. لكن حزب الاستقلال اختار الطريق الأسهل: تبرير الغياب عن لحظة سياسية ساخنة.

حزب الاستقلال يطلب من المغاربة تصديق أنه يدافع عنهم عبر عدم الانخراط في مبادرة تمس المحروقات، وهي مفارقة سياسية قاسية، إذ أن المواطن لا يرى في المحطة هوامش الربح مكتوبة على السبورة، بل يرى السعر النهائي ينهش قدرته على التنقل والعيش. وعندما ترتفع كلفة الوقود، لا تقف النار عند السيارات، بل تصل إلى الخضر والنقل والسلع والخدمات.

ثم يأتي حزب الاستقلال ليتحدث عن المزايدات الانتخابية، وكأن الوقود قضية نخبوية أو لعبة خصوم.

فمن يصف غضب الناس بالمزايدة يبتعد عن نبض الشارع، حيث أن المغربي الذي يؤدي كلفة النقل كل يوم لا ينتظر موسم الانتخابات كي يشعر بلهيب المحروقات. هذا وجع يومي.

لقد كان بإمكان نزار بركة أن يمنح حزبه لحظة سياسية قوية. كان يستطيع دفع فريقه إلى دعم المقترح، ثم فتح معركة التعديل والتنقيح من الداخل. كان بإمكانه أن يقول لشركات المحروقات إن زمن الراحة انتهى. لكنه اختار أن يدخل سجلا دفاعيا مرتبكا، ويترك حزب الاستقلال في موقع من يشرح خسارة أخلاقية وسياسية أمام الرأي العام.

لقد حاول البلاغ الاستقلالي تقديم الحزب كحارس للتوازنات المالية، لكن من يحرس توازنات الأسر؟ من يحرس ميزانية الموظف الصغير؟ من يحرس صاحب النقل؟ من يحرس المقاولة الهشة التي تبتلعها كلفة الوقود؟ التوازنات لا تبدأ من دفاتر الحكومة وحدها، بل من موائد البيوت ومن جيوب المواطنين.

لقد كشف هذا الموقف خللا عميقا في خطاب حزب الاستقلال الذي يريد الجمع بين صورة المدافع عن الفئات المتضررة وموقع المتردد أمام القطاعات الكبرى. يريد أن يهاجم الجشع لفظيا، دون أن يخوض معركة سياسية واضحة ضده. يريد أن يرضي الشارع بالكلام، ويطمئن السوق بالمواقف الرمادية، ثم يطلب من الناس أن تصدق أن هذا هو الدفاع عن القدرة الشرائية.

ولهذا جاءت الضربة قاسية على صورة الحزب. فالمغاربة تعبوا من أحزاب ترفع نبرة الخطاب الاجتماعي في المنابر، ثم تخفض سقف الموقف عندما تحضر المصالح الكبرى. وتعبوا من بيانات تلمع الكلمات، بينما الأسعار تشتعل في المحطات والأسواق ووسائل النقل.

معركة المحروقات لم تكشف ضعف موقف حزب الاستقلال وحده، بل كشفت أزمة أكبر داخل خطاب سياسي يريد أن يجمع بين الدفاع عن المواطن وعدم إزعاج مراكز الربح. وهذه معادلة لا تستقيم أمام شعب يدفع الثمن كل يوم، ولا أمام ذاكرة سياسية تعرف جيدا من كان حاضرا ومن اختار التراجع.

نزار بركة اليوم أمام امتحان لا تحسمه البلاغات. فكل كلمة جديدة لن تغير جوهر الصورة: حزب تاريخي وقف أمام ملف حارق، ثم اختار طريقا لا يضع شركات المحروقات تحت ضغط حقيقي. أما الحديث عن العقلانية والتوازنات، فلن يقنع مواطنا يرى دخله يتآكل مع كل ارتفاع في ثمن الوقود.

لقد أراد حزب الاستقلال أن يظهر في صورة الحزب العاقل، فانتهى في صورة الحزب المتردد. أراد أن يبرر موقفه، ففتح على نفسه سؤالا أكبر: لماذا لم تكن الجرأة حاضرة عندما احتاجت جيوب المغاربة موقفا صريحا؟

وفي السياسة، لا تكفي البلاغات لإصلاح ما تكشفه لحظة التصويت. الورقة التي تخرج من القاعة أحيانا أصدق من ألف تصريح، وفي ملف المحروقات تحديدا، ستظل تلك الورقة تطارد حزب الاستقلال كلما تحدث عن القدرة الشرائية والإنصاف وحماية الفئات المتضررة.

لقد غادر حزب الاستقلال هذه المعركة مثقلا بصورة سياسية موجعة: حزب يرفع شعار حماية المواطن، ثم يتركه وحيدا أمام مضخة الوقود. حزب يهاجم الجشع في اللغة، ثم يتجنب معركة الضغط عليه في القرار. حزب يريد موقع المدافع عن الناس، دون أن يدفع كلفة الوقوف الصريح معهم.

وبين لهب الأسعار وبرودة التبريرات، وجد نزار بركة نفسه في قلب سؤال لا يهدأ: هل ما زال حزب الاستقلال قادرا على إقناع المغاربة بأنه حزب اجتماعي، أم أن المحروقات كشفت أن الخطاب شيء وورقة التصويت شيء آخر؟

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك