بنموسى يتخلى عن اختصاصاته الدستورية ويتحول إلى بائع وهم عند أخنوش

عندما تعجز الحكومة عن خفض عدد العاطلين في الواقع تبحث عن طريق آخر أكثر سهولة عبر تغيير طريقة العد وتضييق مفهوم البطالة ثم تقديم النتيجة للرأي العام على شكل إنجاز رقمي جاهز للاستهلاك السياسي.

هذا بالضبط ما وقع مع الأرقام الجديدة للمندوبية السامية للتخطيط التي أعلنت تراجع معدل البطالة إلى 10.8 في المائة في لحظة تحتاج فيها حكومة عزيز أخنوش إلى أي رقم يمنحها بعض الهواء قبل محطة انتخابية ثقيلة.

فالمندوبية التي يفترض أن تنتج الحقيقة الإحصائية بكل استقلالية وصرامة اختارت أن تقدم للبلاد رقما يبدو أنيقا على الورق لكنه يصطدم بقسوة الواقع في الشوارع والمقاهي والأحياء الهامشية والقرى ومحيط المقاولات المتعثرة، حيث أن المغرب الذي يعرف توسع الهشاشة وتآكل القدرة الشرائية وصعوبة ولوج الشباب إلى الشغل لا يمكن أن يستيقظ فجأة على انخفاض سحري في البطالة دون أن يشعر المواطن بأي أثر ملموس في حياته اليومية.

إن جوهر العملية يكمن في التعريف الجديد حيث لم يعد الشخص المحروم من العمل عاطلا بشكل مباشر، إذ صار مطالبا بأن يكون دون أي دخل ومستعدا للعمل فورا، وأن يكون قد بحث فعليا عن منصب شغل خلال مدة محددة.

وبذلك يخرج من دائرة البطالة كل من فقد الأمل وتوقف عن البحث وكل من يعيش من مساعدة عائلية بسيطة وكل من يشتغل ساعات قليلة في نشاط هامشي وكل من يقبل عملا مؤقتا لا يوفر أجرا كافيا ولا حماية اجتماعية.

بهذه الحيلة الإحصائية يتحول الشاب الذي أنهكه الانتظار في المقاهي إلى خارج خانة البطالة لأنه توقف عن البحث.

ويتحول من يساعد بقالا أو حرفيا مقابل دراهم قليلة أو وجبة يومية إلى “نشط”.

ويتحول حامل شهادة عليا يقبل عملا لا يناسب تكوينه ولا يضمن كرامته إلى رقم في خانة التشغيل.

هكذا تختفي الأزمة من الجداول بينما تظل قائمة في البيوت.

إن الأرقام الجديدة الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط لا تقول إن الاقتصاد خلق مئات الآلاف من مناصب الشغل القارة.

لا تقول إن المقاولات توسعت في التوظيف.

لا تقول إن الشباب وجدوا مسارات مهنية حقيقية.

هي تقول شيئا آخر: إن تعريف البطالة صار أضيق، وإن فئات واسعة من المغاربة جرى إخراجها من الحساب حتى يبدو المشهد أقل قتامة.

إن المندوبية نفسها تكشف من خلال مؤشر الاستخدام غير الكامل للقوى العاملة أن الأزمة أعمق بكثير من المعدل الرسمي، إذ أن رقم 22.5 في المائة يعني أن جزءا واسعا من المغاربة يوجد بين شغل ناقص وبطالة مقنعة وهشاشة مهنية وخروج قسري من سوق العمل، وهو الرقم الذي يعكس الحقيقة الاجتماعية، لا النسبة الرشيقة التي يراد تسويقها كإنجاز حكومي.

وهنا يبرز السؤال السياسي الكبير: هل ما زال شكيب بنموسى يمارس اختصاصاته الدستورية على رأس مؤسسة مطالبة بإنتاج معطيات مستقلة، أم تحول إلى موزع أرقام مريحة لحكومة عزيز أخنوش؟

فالمندوبية السامية للتخطيط ليست ملحقة تواصلية برئاسة الحكومة ولا منصة لتجميل الحصيلة ولا ورشة لصناعة الانطباعات إنها مؤسسة يفترض أن تحمي الحقيقة الرقمية من العبث السياسي.

إن ما صدر عن المندوبية السامية للتخطيط يشبه عملية تجميل قاسية لوجه أزمة اجتماعية مفتوحة، حيث بدل خلق فرص الشغل، جرى خلق تعريف جديد للعاطل.

وبدل مواجهة هشاشة سوق العمل جرى تخفيف وزنها داخل الجداول وبدل الاعتراف بأن البطالة ما زالت تخنق الشباب والنساء والجهات الأقل حظا تم تقديم معدل يوحي بأن الأمور تتحسن، بينما الواقع يصرخ بعكس ذلك.

فقد تجد الحكوم في رقم 10.8 في المائة مادة دعائية نافعة تضعه في الخطب، وتلوح به في الحصيلة وتقدمه دليلا على نجاح سياسات التشغيل. لكن المواطن لا يعيش داخل نشرة إحصائية.

إن المواطن يعرف إن كان ابنه يعمل أم ينتظر ويعرف إن كانت ابنته وجدت فرصة أم بقيت خارج سوق العمل ويعرف إن كان الأجر يكفي أم لا. ويعرف أن الشغل الهش لا يصنع استقرارا، وأن الدخل الضعيف لا يعني الخروج من الأزمة.

شكيب بنموسى بهذا المنحى لا يخفف البطالة بل يخفف وقعها السياسي على عزيز أخنوش، ويعيد ترتيبها في لغة إحصائية أقل إزعاجا، ويقدم للمغاربة نسخة مخففة من الألم.

إن المغرب يحتاج إلى سياسة تشغيل حقيقية لت إلى هندسة مفاهيمية، يحتاج إلى اقتصاد يخلق فرصا، لا إلى مؤشرات تعيد تصنيف العاطلين.

ويحتاج إلى إنصاف الشباب والنساء والجهات المهمشة لا إلى حذف اليائسين من الجداول ويحتاج قبل كل شيء إلى مؤسسات تقول الحقيقة كما هي لا كما ترغب الحكومة في سماعها.

لذلك، فإن السؤال لم يعد حول الرقم وحده بل صار حول وظيفة المندوبية نفسها هل هي مؤسسة دستورية لإنتاج الحقيقة أم بائع وهم جديد في خدمة عزيز أخنوش؟

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك