يبدأ الاستنزاف مع أول إشعار يصل إلى الهاتف: فاتورة جديدة تنتظر الأداء. يفتح الزبون التطبيق، يدفع مئات الدراهم، ثم يرفع عينيه نحو شاشة توقفت عن التحميل، أو مكالمة انقطع صوتها، أو جهاز توجيه تحولت أضواؤه إلى مصدر يومي للتوتر.
في الجهة المقابلة، تواصل آلة المداخيل دورانها بلا تعب، لتجمع اتصالات المغرب نحو 1900 مليار سنتيم خلال ستة أشهر، بينما يبقى المواطن عالقا بين خدمة متقلبة وفاتورة تعرف طريقها إلى جيبه بدقة مذهلة.
الرقم ضخم إلى درجة تصعب معها قراءة الأصفار، لكنه يصبح واضحا عند وضعه بجانب يوميات الزبناء.
أسر تدفع ثمن الإنترنت للدراسة والعمل والترفيه، مقاولات تحتاج اتصالا مستقرا لإدارة أنشطتها، صحافيون وطلبة وموظفون يتوقف عملهم بسبب عطب أو بطء، ثم تبدأ رحلة الشكاية: مكالمات طويلة، أجوبة محفوظة، وعود بالإصلاح، ومواعيد تمر من دون أثر. الشركة تحصي المليارات، والزبون يحصي الساعات التي ضاعت أمام شاشة ترفض الاتصال.
في أحياء المدن الكبرى، قد تصل الألياف البصرية إلى عمارة وتتوقف أمام العمارة المجاورة، وقد يتحول تركيب خط جديد إلى سباق بين الوكالات والمصالح والمواعيد.
وفي مدن وقرى أخرى، يظل الإنترنت رهينا لتغطية ضعيفة وسرعات تتراجع في أوقات الذروة، رغم أن التعرفة تُؤدى كاملة من دون تخفيض عن أيام العطب أو ساعات الانقطاع. هكذا تتحول الخدمة الأساسية إلى امتياز متفاوت، مع أن المال يُسحب من جيوب الجميع بالطريقة نفسها.
اتصالات المغرب تعرف كيف تقدم أرقامها بثقة أمام المستثمرين، وتعرف كيف تتحدث عن النمو والنجاعة والسيطرة على التكاليف. الزبون يريد لغة أخرى: سرعة حقيقية، شبكة مستقرة، خدمة زبناء تحترم وقته، وتعويضا واضحا عند الأعطاب. الأرباح تفقد بريقها أمام مواطن دفع ثمن الاشتراك ثم اضطر إلى تشغيل بيانات هاتفه أو البحث عن شبكة بديلة لإنجاز عمل عاجل.
المشكلة تتجاوز عطب جهاز أو تأخر تدخل ميداني. إنها علاقة مختلة بين مؤسسة تملك قوة مالية هائلة ومستهلك يجد نفسه ضعيفا أمام العقود والفواتير ومراكز النداء.
كل درهم يؤديه الزبون يمنح الشركة مسؤولية مباشرة عن الجودة، وكل انقطاع بلا معالجة يوسع فجوة الثقة، وكل فاتورة مرتفعة أمام خدمة متدنية تدفع المغاربة إلى الشعور بأنهم يمولون الأرباح من دون أن يحصلوا على حقهم الكامل.
المغرب يستعد لاستحقاقات دولية كبرى، ويقدم نفسه منصة رقمية واقتصادية صاعدة، بينما الاتصال بالإنترنت صار عصب التعليم والاستثمار والإدارة والإعلام. دولة تتطلع إلى تنظيم كأس العالم سنة 2030 تحتاج شبكة توازي حجم الطموح، لا خدمة تدفع المواطن إلى إعادة تشغيل جهاز التوجيه مرات متتالية بحثا عن إشارة مستقرة.
1900 مليار سنتيم خلال نصف سنة رقم يكشف قوة اتصالات المغرب، ويكشف أيضا حجم ما يدفعه المغاربة مقابل خدمات تثير الغضب.
المطلوب أن تنزل هذه المليارات من التقارير المالية إلى منازل الزبناء ومكاتبهم وهواتفهم، في صورة سرعة وجودة واحترام.
أما استمرار الأرباح في الصعود وبقاء الخدمة في دائرة الشكايات، فيعني أن جيوب المغاربة تعمل بكفاءة أكبر من شبكة اتصالات المغرب.