“الأحرار” يفتحون مزاد الجنة فوق الأرض ويبيعون الوهم للمغاربة بصكوك انتخابي

خرج حزب التجمع الوطني للأحرار من قلب الحكومة مرتديا قميص المعارضة، ووقف في فاس يبشر المغاربة بإنقاذ قدرتهم الشرائية، كأن الحزب وصل لتوه إلى السلطة التنفيدية واكتشف فجأة أن الأسعار أحرقت الجيوب وأن الطبقة المتوسطة تتدحرج نحو الهشاشة.

حمل رئيس الحزب محمد شوكي، أربعة دروع، وفتحت وزيرة الاقتصاد والمالي نادية فتاح صندوق الوعود، وقدم الحزب جنة انتخابية فيها دعم يصعد مع التضخم وادخار تدعمه الدولة وأجور تتحسن ومعاشات ترتفع وتعليم يحمي الأسر.

إنها لوحة وردية تكاد تنسي المغاربة أن صاحبها قاد الحكومة طوال الولاية.

والسؤال هنا قاس وبسيط؛ أين كانت هذه الدروع حين كانت موجات الغلاء تضرب الأسر؟ وأين كان الإنصات حين تحولت اللحوم والمحروقات والمواد الأساسية والعلاج والمدرسة إلى أعباء تثقل الدخل الشهري؟

يقول “زعيم الأحرار” إن حزبه استمع للمواطنين خمس سنوات، مع أن المغربي كان يصرخ كل يوم من السوق ومحطة الوقود ومحل الجزارة وفواتير الماء والكهرباء.

ولكن الحزب احتاج إلى اقتراب الانتخابات كي يسمع صوتا وصل منذ زمن إلى كل بيت.

وزيرة الاقتصاد والمالية تعد أربعة ملايين أسرة تضم نحو 12 مليون مواطن برفع الدعم تلقائيا عند تجاوز التضخم عتبة محددة، وهو عرض جذاب، لكنه يحمل اعترافا سياسيا بأن الدعم الحالي عاجز عن حماية الأسر من ارتفاع الأسعار.

وعندما يربط الحزب الدعم بالتضخم، فهو يعالج أثر الحريق ويترك مصدر النار. لا حديث حاسما عن محاصرة الاحتكار وضبط سلاسل التوزيع وكشف هوامش الأرباح ومراقبة الأسواق ومحاسبة المستفيدين من الأزمات.

ثم يأتي درع الادخار الموجه إلى العاملين في القطاع غير المهيكل، حيث تطلب الوزيرة فتاح من مواطن يكافح لتوفير الغذاء والكراء والنقل أن يدخر خمسين درهما، وتعده الدولة بعشرة دراهم إضافية؛ كأن أزمة العامل الهش هي ضعف ثقافة الادخار وليست هزالة الدخل.

الحزب يحول خزينة الدولة إلى صندوق نقاط ولاء انتخابية كل خمسين درهما توفرها تحصل مقابلها على عشرة دراهم. لكن الأموال التي ستدفعها الدولة هي أموال المغاربة، وليست من حساب الحزب أو قياداته.

أما المثال المتعلق بادخار 2500 درهم سنويا مقابل دعم يتجاوز 525 درهما، فيحتاج إلى كشف شروط الحساب والاستفادة والسحب والرسوم ومصدر التمويل. فالوعود اللامعة تصبح باهتة عند أول سؤال يتعلق بالأرقام.

ودرع الأجور والمعاشات ما يزال عنوانا واسعا بلا نسب معلنة أو آجال واضحة أو كلفة محددة. ودرع التعليم بقي بدوره شعارا ينتظر مضمونا يجيب عن رسوم المدارس والدعم الموجه للطبقة المتوسطة وجودة التعليم العمومي.

ظهور وزيرة الاقتصاد والمالية لتوزيع وعود حزبية ممولة من المال العام يضع “حزب الأحرار” أمام سؤال سياسي محرج هل تتحدث نادية فتاح باسم الحكومة أم باسم الحزب؟ وأين تنتهي مسؤولية الوزيرة وتبدأ حملة المرشحة؟

من حق حزب التجمع الوطني للأحرار تقديم برنامج جديد، لكن من واجبهم تقديم حساب قديم أولا. فلا يمكن لحزب قاد الحكومة أن يقف أمام المغاربة بوجه المنقذ من نتائج السياسات التي أشرف عليها.

لقد كانت فاس منصة الافتتاح ووجدة ستكون المحطة المقبلة، ثم ستتحرك قافلة الوعود عبر المدن، غير أن تغيير القاعات والوجوه والشعارات لن يغير السؤال الذي يطارد الحزب ماذا فعلتم عندما كانت السلطة التنفيذية والميزانية والقرار بين أيديكم؟

إن حزب التجمع الوطني للأحرار لا يقدم للمغاربة جنة فوق الأرض، وإنما يبيعونه وعدا بإصلاح ما أفسدته سنوات الغلاء. وكل درع يرفعه الحزب اليوم يتحول إلى شهادة سياسية على أن المواطن واجه الولاية الحكومية مكشوف الجيب ومنهك الدخل.

المغاربة يحتاجون إلى عقد واضح بالأرقام والآجال ومصادر التمويل، لا إلى حملة علاقات عامة تعيد طلاء الوعود، إذ أن صندوق الاقتراع لا يفتح أبوابه للخيال، والحصيلة لا تغطيها الدروع الورقية.

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك