وسط موجة تفاعل واسعة هزت المغرب والسنغال، جاء العفو الملكي عن المشجعين السنغاليين كقرار يخترق القلوب قبل العناوين، ويمنح السياسة معناها الأجمل، حيث تلامس دمعة أم، وقلق عائلة، وشوق بيت ينتظر عودة ابن غاب خلف أسوار الحكم.
ومن داكار، حمل شكر الرئيس باسيرو ديوماي فاي للملك محمد السادس شهادة صريحة بأن المغرب، كلما مد يده بالرحمة، صنع أثرا عميقا في الشعوب قبل القصور.
العفو المولوي الكريم حول قضية ارتبطت بأحداث الشغب التي رافقت نهائي كأس إفريقيا إلى صفحة إنسانية مبهرة، أعادت الدفء إلى عائلات سنغالية أنهكها الانتظار، ومنحت لعيد الأضحى معنى يلامس الوجدان: الصفح، جبر الخواطر، وعودة الأبناء إلى حضن الأسرة.
في السنغال، جاء وقع القرار الملكي مختلفا، حيث كان الناس يتابعون عودة الأمل إلى بيوت ظلت معلقة بين الخوف والدعاء.
لذلك خرج الرئيس السنغالي بكلمات امتنان قوية، تحدث فيها عن “كرم الملك محمد السادس”، وهي عبارة حملت داخلها اعترافا كبيرا بصورة المغرب في الوعي السنغالي، وبمكانة الملك داخل قلوب ملايين الأفارقة الذين يرون في الرباط سندا ووفاء وأخوة صادقة.
إن قوة هذا العفو لا تكمن في طابعه الإنساني وحده، وإنما في الرسالة العميقة التي حملها. فالمغرب، بقيادة الملك محمد السادس، قدم مرة أخرى صورة دولة قوية بمؤسساتها، ثابتة في احترام القانون، واسعة في رحمتها، تعرف كيف تحمي هيبة الدولة، وكيف تفتح أبواب الصفح حين يصبح العفو أبلغ من العقوبة.
ذلك ما جعل العفو السامي يهز مشاعر المغاربة أنفسهم قبل السنغاليين. لأن المغاربة رأوا في هذه المبادرة صورة “تمغربيت” في أنبل معانيها: الشهامة، الكرم، الرأفة، وإغاثة القلوب في اللحظة التي تكون فيها الحاجة إلى الرحمة أكبر من أي شيء آخر.
خصوم المغرب كانوا ينتظرون أن تتحول أحداث الشغب إلى جدار توتر بين الرباط وداكار، فجاء العفو الملكي ليقلب كل الحسابات، ويحاصر الأصوات التي تتغذى على الأزمات، ويؤكد أن العلاقات المغربية السنغالية أعمق من حادث رياضي، وأقوى من انفعال جماهيري داخل المدرجات.
فالسنغال بالنسبة إلى المغرب بمثابة امتداد وجداني وتاريخي وروحي. لذلك بدا شكر الرئيس باسيرو ديوماي فاي أقرب إلى رسالة وفاء بين شعبين تجمعهما روابط تتجاوز السياسة نحو الأخوة الصادقة.
لقد حمل العفو الملكي أيضا رسالة أخرى شديدة القوة داخل إفريقيا: المغرب لا يبني حضوره بالقوة الصلبة وحدها، وإنما يبنيه أيضا بقوة القلب. فالدول الكبرى تصنع نفوذها بالاقتصاد والسياسة، أما الدول التي تسكن ذاكرة الشعوب فتصنع مكانتها بالمواقف الإنسانية التي تبقى راسخة في الوجدان.
وعندما يستعيد مشجع سنغالي حريته في ليلة عيد، ويعود إلى بيت انتظر عودته بلهفة، فإن صورة المغرب التي ستدخل إلى ذلك البيت ستبقى مرتبطة بملك اختار الرحمة في لحظة كان قادرا فيها على الاكتفاء بمنطق العقوبة.
لهذا بدا العفو الملكي أكبر من قرار. بدا وكأنه درس كامل في القيادة والإنسانية وعمق الانتماء الإفريقي. درس يقول إن القوة الحقيقية لا تحتاج إلى القسوة الدائمة، وإن الدولة التي تثق في نفسها تستطيع أن تجمع بين الحزم والرأفة، وبين هيبة القانون ودفء الإنسانية.
ومن الرباط إلى داكار، ارتفع اسم محمد السادس داخل موجة امتنان واسعة، لأن الملك كتب بقرار واحد صفحة مؤثرة في ذاكرة شعبين، وحول لحظة توتر إلى لحظة أخوة، وجعل من عيد الأضحى موعدا لعودة الفرح إلى بيوت سنغالية كانت تنتظر خبرا يعيد النور إلى عيونها.
هكذا ينتصر المغرب. لا بالصوت المرتفع، ولا بالشعارات، وإنما بمواقف تدخل القلب مباشرة، وتترك أثرها في الناس قبل الأخبار، وفي الذاكرة قبل العناوين.