وجه مجلس المنافسة ضربة قوية لتصور وزير العدل عبد اللطيف وهبي حول مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بمهنة المحاماة، بعدما أصدر رأيا شاملا يحمل توصيات عميقة تمس جوهر المشروع، وتدعو إلى إعادة بناء سوق الخدمات القانونية على أسس المنافسة والشفافية وتكافؤ الفرص، بدل الاكتفاء بصياغة قانونية تضيق الولوج إلى المهنة وتترك عددا من مناطق الغموض التنظيمي والمالي قائمة.
وجاء رأي المجلس، استجابة لطلب إبداء الرأي المقدم من الفيدرالية الديمقراطية للشغل، حاملا رسائل واضحة إلى وزارة العدل، إذ دعا إلى تجاوز التعديلات المحدودة نحو بلورة نموذج اقتصادي ومهني حديث، يستوعب الطلب المتزايد على العدالة، ويربط استقلالية مهنة المحاماة بجودة الخدمات والانفتاح المنظم على قواعد المنافسة.
وقسم مجلس المنافسة توصياته إلى تدابير ذات أولوية وأخرى ذات بعد هيكلي واستراتيجي، واضعا مشروع القانون أمام اختبار حقيقي، خاصة في ما يتعلق بالولوج إلى المهنة، وواجبات الانخراط، وشفافية الأتعاب، والرقمنة، وحكامة المساعدة القضائية.
وفي محور الولوج إلى مهنة المحاماة، أوصى المجلس بإرساء آلية منتظمة ودورية لولوج معهد التكوين، عبر تنظيم مباريات سنوية تضمن تجديد الجسم المهني وملاءمة الخريجين مع الحاجيات الفعلية لسوق الخدمات القانونية، عوض الاعتماد على امتحان تأهيلي يجرى كل ثلاث سنوات في المتوسط.
وشدد الرأي على ضرورة إخراج الولوج إلى المهنة من منطق الندرة أو التسقيف العددي الفعلي للممارسين، داعيا إلى إلغاء سقف السن الأقصى المحدد حاليا في 45 سنة، انسجاما مع تجارب دولية مقارنة مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا، بما يسمح باستقطاب كفاءات ذات خبرات ومسارات مهنية متنوعة.
كما دعا مجلس المنافسة إلى اعتماد صيغ مرنة لاستقطاب الخبرات الميدانية النوعية، خاصة أطر الإدارات العمومية وموظفي هيئات الضبط والمستشارين القانونيين داخل المقاولات، عبر نظام إعفاء جزئي من بعض شروط الولوج، مع الإبقاء على اختبار الكفاءة والالتزام بالتفرغ التام لممارسة المهنة.
وعلى المستوى التنظيمي والمالي، اقترح المجلس مراجعة شاملة لواجبات الانخراط في مهنة المحاماة، وتوحيدها ضمن سقف وطني مرجعي يراعي التكاليف الفعلية للتسيير الإداري للهيئات، حتى لا تتحول هذه الرسوم إلى حاجز مالي أمام المؤهلين، وخاصة المحامين الشباب.
وفي ما يرتبط بنطاق الاختصاص والممارسة، أوصى المجلس بإعادة صياغة المادة 33 من مشروع القانون، لرفع الغموض ومنع أي تأويل قد يحد من تدخل المحامي في مجال تحرير العقود، مع توضيح الحدود الفاصلة لنشاط المحامي كوكيل في المهن الرياضية أو في مجالات الوساطة والتفاوض والتدبير التعاقدي، ضمانا للشفافية ومنعا لتداخل الأدوار المهنية.
أما في علاقة المحامي بالموكل، فقد دعا مجلس المنافسة إلى إرساء شفافية أكبر في تحديد الأتعاب، عبر وضع شبكة استرشادية من طرف وزارة العدل تحدد نطاق الأتعاب حسب طبيعة القضية، دون فرض سقف إلزامي، إلى جانب إحداث منصة رقمية مرجعية تمكن المتقاضين من إدخال معطيات قضاياهم والحصول على تقدير أولي للتكاليف.
وشجع المجلس على اعتماد اتفاق مسبق ومكتوب يوضح طريقة احتساب الأتعاب ومراحل الأداء، مع إقرار نظام للفوترة المفصلة يحدد طبيعة الخدمات المقدمة وكلفة كل خدمة، بما يمنح الموكل إمكانية تتبع الخدمة القانونية والتحقق من عناصرها.
واقترح الرأي إحداث لجان متخصصة داخل هيئات المحامين لتسوية منازعات الأتعاب بطريقة ودية وسريعة، بما يحد من الاحتقان المرتبط بالعلاقة المالية التي تربط المحامي بموكله.
وفي جانب التوازن المجالي، أوصى مجلس المنافسة بإحداث نظام تحفيزي ضريبي واجتماعي تحت اسم “منحة التوطين المهني”، لفائدة المحامين الشباب الذين تقل مدة ممارستهم عن خمس سنوات، ويختارون الاشتغال في الأقاليم والعمالات التي تعرف خصاصا في الكثافة المهنية.
كما دعا إلى تيسير الانتقال من نمط الممارسة الفردية التقليدية نحو إطار قانوني وتنظيمي مرن يسمح بإحداث مكاتب متعددة الاختصاصات، تضم محامين وخبراء محاسبة ومستشارين ضريبيين، على غرار نماذج معمول بها في فرنسا وإسبانيا، من أجل تقديم عرض مهني مندمج يستجيب لحاجيات المستثمرين ويرفع تنافسية الشركات الوطنية.
وفي باب التحول الرقمي والتواصل المهني، دعا المجلس إلى اعتماد نموذج مرن يسمح للمحامين بالحضور الرقمي والتعريف الموضوعي بتخصصاتهم وخبراتهم عبر المواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي، وفق ضوابط تمنع عبارات التفضيل والمبالغة.
واقترح الرأي إعداد ميثاق أخلاقي رقمي خاص بالمهنة، إلى جانب إحداث لجنة لليقظة الأخلاقية الرقمية، تتولى تقديم آراء استشارية للمحامين ومراقبة المحتوى الرقمي والإشهاري، والتأكد من احترامه لقواعد المهنة وأخلاقياتها.
وحث المجلس أيضا على تشجيع الشراكات التكنولوجية لتطوير حلول رقمية موجهة لتدبير القضايا، وتسهيل التتبع الإلكتروني، وتحسين علاقة المحامي بموكله، بما يواكب التحول الرقمي الذي تعرفه منظومة العدالة.
واختتم مجلس المنافسة رأيه بالتوقف عند حكامة المساعدة القضائية، منتقدا الاختلالات البنيوية التي تعرفها المنظومة الحالية، خاصة غياب التوزيع الآلي والتناوبي للقضايا، وما ينتج عن ذلك من تفاوت في الفرص وتمركز عدد من القضايا لدى مكاتب محددة.
ونبه المجلس إلى الآثار الاقتصادية لهذه الوضعية، معتبرا أن استفادة بعض المكاتب من عوائد مالية عمومية بصورة متفاوتة قد تمنحها قدرة تنافسية إضافية في قضايا تجارية أخرى، من خلال خفض الأتعاب مقارنة بباقي الممارسين.
وأوصى المجلس بتجاوز نظام الإسناد المباشر، عبر وضع معايير موضوعية وموحدة، واعتماد منصة رقمية تضمن التوزيع الآلي والتناوبي لقضايا المساعدة القضائية، بما يحقق النجاعة الإدارية، ويحفظ حرية اختيار المتقاضي، ويرسخ قواعد عادلة للمنافسة والتنظيم الذاتي داخل مهنة المحاماة.
وبهذا الرأي، يكون مجلس المنافسة قد وضع مشروع قانون المحاماة أمام مساءلة مؤسساتية ثقيلة، وفتح بابا واسعا لإعادة النظر في فلسفة النص الذي يدافع عنه وزير العدل عبد اللطيف وهبي، خاصة بعدما كشف المجلس أن إصلاح المهنة لا يمكن أن يمر عبر تضييق الولوج أو ترك الأتعاب والاختصاصات والمساعدة القضائية دون قواعد واضحة وعادلة.
