معاهدة تاريخية تعيد رسم قواعد اللعبة بين الرباط وباريس

تستعد العلاقات المغربية الفرنسية لدخول مرحلة جديدة من إعادة التوازن الاستراتيجي، مع اقتراب توقيع معاهدة صداقة ينتظر أن تنقل التعاون بين الرباط وباريس من منطق الشراكة التقليدية إلى أفق أوسع يقوم على المصالح الكبرى والتنسيق السياسي والاقتصادي والأمني.

وتحمل هذه المعاهدة المرتقبة، وفق ما أوردته صحيفة “أتالايار” الإسبانية، دلالة خاصة، لأنها تأتي في سياق الزيارة الرسمية المقبلة للملك محمد السادس إلى فرنسا، كما يرتقب أن تعوض اتفاق “لا سيل سان كلو” الموقع سنة 1955، والذي ارتبط بمرحلة مفصلية مهدت لاستقلال المغرب عن الحماية الفرنسية.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن النص الجديد يقوم على مقاربة مختلفة للعلاقات الثنائية، تستند إلى شراكة متوازنة بين دولتين تجمعهما مصالح استراتيجية واسعة، وتستجيب للتحولات التي عرفتها المنطقة والعالم خلال السنوات الأخيرة.

ويرتكز مشروع المعاهدة على أربعة محاور رئيسية تشمل الاقتصاد والصناعة، والتعاون الأمني والعسكري، والثقافة والفرنكوفونية، إلى جانب التنسيق السياسي والجيوستراتيجي.

اقتصاديا، يرتقب أن يمنح الاتفاق دفعة قوية للاستثمارات الفرنسية في المغرب، خاصة في قطاعات صناعة السيارات والنقل السككي والصناعات الدفاعية والنقل البحري، مع دعم نقل التكنولوجيا وتشجيع المشاريع الصناعية ذات القيمة المضافة العالية.

كما ينتظر أن يفتح الاتفاق المجال أمام مشاركة أوسع للشركات الفرنسية في مشاريع البنية التحتية والطاقات المتجددة والنقل والخدمات اللوجستية، مقابل ترسيخ موقع المغرب كشريك اقتصادي رئيسي لفرنسا خارج الاتحاد الأوروبي.

وعلى المستوى الأمني والعسكري، تتجه الرباط وباريس إلى توسيع التعاون الدفاعي من خلال برامج التدريب المشترك، وتعزيز التنسيق الاستخباراتي والأمني، وبحث إمكانات مرتبطة بنقل بعض التقنيات العسكرية المتقدمة لدعم الصناعات الدفاعية المغربية.

وفي المجال الثقافي، تسعى باريس إلى الحفاظ على حضور اللغة الفرنسية داخل المنظومة التعليمية والاقتصادية المغربية، في وقت يواصل فيه المغرب الانفتاح على لغات دولية أخرى، وعلى رأسها الإنجليزية، التي باتت تفرض حضورها في مجالات التكنولوجيا والأعمال والتعاون الدولي.

كما تشمل بنود التعاون الثقافي توسيع شبكة المؤسسات التعليمية والثقافية الفرنسية بالمملكة، وتعزيز ولوج الطلبة المغاربة إلى الجامعات الفرنسية، ودعم برامج التبادل الأكاديمي والثقافي.

ويحضر ملف الصحراء المغربية ضمن المحاور الجيوسياسية البارزة في الاتفاق المرتقب، إذ ينتظر أن يكرس الدعم الفرنسي المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب كحل للنزاع، مع تعزيز التنسيق بين الرباط وباريس داخل المؤسسات الأوروبية والدولية.

كما تراهن فرنسا على تعميق شراكتها مع المغرب للاستفادة من موقعه الاستراتيجي ونفوذه الاقتصادي المتنامي في إفريقيا، خاصة في غرب القارة، حيث تشهد موازين النفوذ الإقليمي والدولي تحولات متسارعة.

ويرتقب أن يشكل توقيع هذه المعاهدة محطة فارقة في تاريخ العلاقات المغربية الفرنسية، بما يعكس رغبة البلدين في بناء شراكة طويلة الأمد قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والأمنية والجيوسياسية في المنطقة والعالم.

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك