علي بلهربي.باحث في العلوم الإدارية /هاشتاغ
تحول قرار وزاري يقضي بالاكتفاء بعبارة “نقل الموتى” على سيارات نقل الأموات دون إضافة آيات قرآنية أو عبارات دينية إلى موضوع نقاش قانوني محتدم، تجاوز منصات التواصل الاجتماعي ليصل إلى دوائر المهتمين بالشأن الدستوري والإداري.
وبين من يراه إجراءً تنظيمياً مشروعاً يدخل في صميم اختصاصات السلطة التنفيذية ومن يعتبره مساساً غير مبرر بالهوية الدينية للمجتمع يتخذ الجدل أبعاداً قانونية معقدة.
من الناحية القانونية تستند الوزارة المعنية إلى صلاحياتها في تنظيم المرافق العمومية وضبط شروط استغلال العربات المخصصة لخدمة عمومية سواء كانت تابعة للجماعات الترابية أو لشركات مفوض لها التدبير حيث يؤكد خبراء في القانون الإداري أن توحيد الكتابات على سيارات نقل الموتى يمكن تكييفه ضمن إطار الشرطة الإدارية التنظيمية التي تهدف إلى ضمان النظام العام وتوحيد المعايير.
غير أن معارضي القرار يطرحون سؤالاً محوريا مرتبط بمدى إمتداد هذا التنظيم إلى حد تقييد عبارات ذات طبيعة دينية لا تخل بالنظام العام ولا تمس بحقوق الغير. و هنا يبرز مبدأ المشروعية الذي يفرض أن تكون كل قرارات الإدارة مؤسسة على سند قانوني واضح، ومتناسبة مع الهدف المراد تحقيقه.
وينص الدستور المغربي على أن الإسلام دين الدولة، ويكفل في الوقت ذاته حرية ممارسة الشؤون الدينية، وهنا يرى منتقدو القرار أن منع كتابة آيات قرآنية على سيارات نقل الموتى قد يُفهم كتقييد لحرية التعبير الديني، حتى وإن تعلق الأمر بوسيلة تقدم خدمة عمومية.
في المقابل يشدد مؤيدون على أن الحرية الدينية مكفولة في إطار الشعائر والممارسات، وأن تنظيم الفضاء الخارجي لمرفق عمومي لا يشكل منعاً للشعائر أو اعتداءً على جوهر الحرية الدينية.
ويستحضر بعضهم اجتهادات قضائية سابقة أكدت على ضرورة التمييز بين المجال الخاص والمرفق العمومي الخاضع لقواعد الحياد.
وهنا يتردد بكثرة في النقاش العام مصطلح “العلمنة”، غير أن قانونيين يعتبرون استعماله في هذا السياق يحتاج إلى تدقيق. فالمغرب بحكم نظامه الدستوري لا يتبنى نموذج الفصل الصارم بين الدين والدولة كما هو الحال في بعض الأنظمة الغربية، بل يقوم على إمارة المؤمنين وضمان الدولة لحماية الدين.
وبالتالي يطرح التساؤل: هل منع العبارات الدينية على سيارات نقل الموتى يمثل تحولاً في فلسفة تدبير الشأن الديني أم أنه مجرد ضبط شكلي للهوية البصرية لمرفق عمومي؟ الإجابة، بحسب مختصين، تتوقف على تعليل القرار ومدى وضوح أسسه القانونية.
ومن الزاوية الإجرائية يظل القرار إذا كان ذا طبيعة تنظيمية عامة قابلاً للطعن أمام القضاء الإداري بدعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة، شريطة توفر الصفة والمصلحة، وقد يرتكز أي طعن محتمل على الدفع بعيب عدم الاختصاص، أو عيب الانحراف في استعمال السلطة، أو عدم التناسب بين الإجراء والغاية منه.
ويؤكد فقهاء قانون أن القضاء الإداري المغربي يولي أهمية خاصة لمبدأ التناسب أي أن يكون أي تقييد صادراً عن الإدارة ضرورياً ومبرراً، وألا يتجاوز ما تقتضيه المصلحة العامة.
في النهاية، يكشف هذا الجدل أن القضية ليست تقنية صرفة بل تمس تقاطع القانون بالرمزية الدينية والاجتماعية، فالموت في الثقافة المغربية ليس حدثاً إدارياً فحسب بل لحظة مشحونة بالدلالات الروحية وعندما يتدخل التنظيم في تفاصيل رمزية، يصبح النقاش القانوني متداخلاً مع الوجدان الجماعي.