نولاي أحمد العمراني/هاشتاغ
على أبواب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، يعود المشهد الحزبي في المغرب إلى واحدة من أكثر لحظاته دلالة وكشفا للحقيقة، إنها لحظة توزيع التزكيات.
فهنا تسقط الأقنعة وتنكشف طبيعة الأحزاب وتظهر المسافة الفاصلة بين الخطاب المعلن والممارسة الفعلية، حيث عندما تقترب الانتخابات يتحول عدد من التنظيمات السياسية إلى فضاءات مكتظة بالصراع لا حول البرامج ولا حول الرؤى، وإنما حول من يظفر بورقة العبور إلى البرلمان.
التزكية في الأصل يفترض أن تكون تعبيرا سياسيا راقيا عن ثقة الحزب في مرشح قادر على تمثيل المواطنين والدفاع عن قضاياهم وحمل مشروع سياسي داخل المؤسسات لكن ما يجري في كثير من الحالات يدفع إلى الاستفسار : هل ما تزال التزكية الحزبية أداة لاختيار الكفاءات أم أضحت مدخلا للنفوذ والوجاهة وتصفية الحسابات وتدوير المصالح؟
الجواب للأسف تفرضه الوقائع أكثر مما تفرضه النوايا.
فداخل عدد من الأحزاب لا تحسم التزكيات على أساس الاستحقاق والكفاءة والنزاهة والالتصاق اليومي بهموم الناس وإنما وفق ميزان آخر تحكمه القدرة المالية وشبكات الولاء وثقل الأعيان وحسابات الربح الانتخابي السريع.
وهنا تدخل السياسة منطقة رمادية خطيرة لأن الحزب يفقد روحه التأطيرية ويتحول إلى آلة انتخابية موسمية تفتح دكاكينها كلما اقترب موعد الاقتراع.
لقد صار واضحا أن عددا من طالبي التزكيات لا يبحثون عن تمثيل المواطن بقدر ما يبحثون عن صفة تمنحهم الوجاهة وتفتح لهم الأبواب المغلقة، وتوسع نفوذهم داخل الإدارة والمال والأعمال، لذلك أصبحت صفة البرلماني مطلوبة عند البعض كامتداد للمكانة الاجتماعية وكاستثمار في النفوذ وكأداة لتثبيت الحضور في دوائر القرار لا كتكليف وطني يقتضي الكفاءة والنزاهة والاستعداد للمحاسبة.
هذا الانحراف هو الذي عمق أزمة الثقة بين المواطن والعمل الحزبي حيث أن المغربي الذي يتابع هذا السباق المحموم حول التزكيات ويرى كيف تتقدم الشكارة على الفكرة وكيف يسبق النفوذ الكفاءة، وكيف تحسم الولاءات ما كان يفترض أن تحسمه المؤسسات، لا يمكن أن يقتنع بسهولة بأن الأحزاب تقوم بدورها الدستوري في التأطير والتكوين وإنتاج النخب.
وما يزيد المشهد قتامة أن الصراعات الداخلية التي تهز عددا من الأحزاب أصبحت تدور حول المصالح الضيقة، لا حول الاختيارات الفكرية أو التصورات الكبرى أو الأسئلة المجتمعية الحارقة.
وهنا أصل الداء.
فالأحزاب التي يفترض أن تكون مدارس للمواطنة وفضاءات للنقاش العمومي وآليات لفرز النخب فقدت في حالات كثيرة هذه الوظائف وانزلقت نحو منطق المقاعد والمواقع والامتيازات.
وعندما يحدث ذلك تصير التزكية نوعا من المكافأة السياسية لمن يملك أدوات التأثير أو لمن يتقن فن الاقتراب من مراكز القرار داخل الحزب، أو لمن يملك القدرة على تمويل المعركة، أما الكفاءة النظيفة، والشباب الجاد، والأطر القادرة على الإضافة، فكثيرا ما تجد نفسها خارج الحساب.
هذا الواقع لا يسيء إلى صورة الأحزاب وحدها، بل يضرب جوهر العملية الديمقراطية، لأن البرلمان الذي يصل إليه المرشح بمنطق النفوذ والمال والاصطفافات الهشة لن يكون امتدادا طبيعيا لإرادة شعبية حرة ولن ينتج تمثيلية قوية قادرة على الرقابة والتشريع والترافع.
وعندما تفسد لحظة الاختيار داخل الحزب تكون النتيجة مؤسسة تمثيلية مرتبكة وخطابا سياسيا فاقدا للثقل ومواطنا يزداد ابتعادا عن صناديق الاقتراع.
المشكلة اليوم لا تتعلق بمن سينال التزكية وإنما بطبيعة الرسالة التي تبعثها الأحزاب إلى المجتمع من خلال طريقة منحها، هل تقول للمغاربة إن السياسة مجال للكفاءة والنزاهة والالتزام؟ أم تقول لهم إن الطريق إلى المؤسسات يمر عبر الشكارة والعلاقات وشبكات المصالح؟ هذا هو السؤال الحقيقي وهو سؤال يختصر في العمق جوهر الأزمة الحزبية في المغرب.
لقد آن الأوان لكي تدرك الأحزاب أن معركة الثقة لا تربح بالشعارات ولا بالمهرجانات الخطابية ولا بالصور الجماعية، وإنما تربح من داخل البيت الحزبي نفسه من الشفافية في الاختيار، ومن الجرأة على فتح الباب أمام نخب جديدة، ومن قطع الطريق على الريع الانتخابي الذي خنق السياسة وأفقدها معناها.
فعندما يشعر المواطن أن الأحزاب تحترم نفسها في اختياراتها، قد يعود إلى الإصغاء أما حين يرى الوجوه نفسها تعود بالدعم نفسه والأدوات نفسها والعلاقات نفسها فإن العزوف يصبح موقفا مفهوما ومبررا.
المغرب اليوم في حاجة إلى أحزاب تصنع الأمل لا إلى أحزاب تبيع الوهم، في حاجة إلى تنظيمات تفرز النخب لا إلى هياكل توزع الامتيازات. وفي حاجة إلى تزكيات تنطلق من الجدارة والالتزام لا من منطق السوق السياسية، لأن الرد الحقيقي على العزوف وعلى تراجع الثقة وعلى هشاشة الوساطة الحزبية يبدأ من هذه اللحظة بالذات: لحظة الاختيار.
ومن دون هذا التحول ستظل التزكية عنوانا لأزمة أعمق، أزمة أحزاب فقدت كثيرا من بريقها وتحتاج اليوم إلى مراجعة مؤلمة وشجاعة قبل أن تجد نفسها خارج نبض المجتمع وداخل هياكل قائمة شكلا غائبة تأثيرا.
