ناصر بولعجول وعشرية فشل ملطخة بدماء المغاربة

هاشتاغ _ مولا أحمد الأمراني

على امتداد سنوات طويلة، ظل اسم ناصر بولعجول ثابتا في قلب ملف السلامة الطرقية بالمغرب، بينما كانت الطرقات تواصل ابتلاع الأرواح في صمت ثقيل لا يقطعه سوى إعلان حصيلة جديدة من القتلى والجرحى.

تعاقب الوزراء، وتبدلت الحكومات، وتغيرت الشعارات واللافتات، لكن الرجل بقي في موقعه، كأن الكرسي الذي يجلس عليه محصن ضد الأرقام، وضد الدم، وضد غضب المغاربة الذين صاروا يستقبلون كل تقرير جديد عن حوادث السير بمرارة ممزوجة بالإحساس بالعجز.

منذ سنة 2015، عندما جرى تعيينه كاتبا دائما للجنة الوطنية للوقاية من حوادث السير، ثم بعد تحول اللجنة إلى الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، بدأ مسار طويل لمسؤول التصق اسمه بواحد من أكثر الملفات قسوة في المغرب.

وفي 2019 صادق مجلس الحكومة على تعيينه مديرا لـ“نارسا”، قبل أن يعود الاسم نفسه سنة 2024 في تجديد جديد للثقة، رغم أن الطرق لم تمنحه شهادة نجاح، ورغم أن الأرقام لم تقدم أي مبرر مقنع لهذا البقاء الطويل فوق ملف ينزف كل يوم.

في ورش السلامة الطرقية، لا يحتاج المغاربة إلى كثير من البلاغات ولا إلى زينة العروض التقديمية ولا إلى لغة الاستراتيجيات المنمقة ما يطلبه الناس أبسط من ذلك بكثير: نتيجة. والنتيجة كانت قاسية، جارحة، ومحرجة لكل خطاب رسمي يتحدث عن السلامة الطرقية بنبرة الانتصار.

آلاف القتلى يسقطون كل سنة، وأسر تستيقظ على مآتم متكررة، وطرقات تحولت إلى جغرافيا مفتوحة للفقد، بينما المسؤول الأول عن الملف يواصل البقاء في موقعه كما لو أن شيئاً لم يقع، وكأن الدم الذي يسيل على الإسفلت لا يكفي لفتح باب المراجعة ولا حتى لإثارة حد أدنى من المساءلة.

لقد حضر ناصر بولعجول في كل الاستراتيجيات، وظهر في كل الخطط، وارتبط اسمه بكل الوعود الكبرى حول تقليص الحوادث وحماية الأرواح لكن الحصيلة التي يراها المغاربة على الأرض لا تشبه تلك الوعود في شيء الذي بقي في الذاكرة العامة هو سيل من الحملات التواصلية، ولوحات التحسيس، والخطابات الرسمية، وصفقات الإشهار، ثم طرق أكثر قسوة من كل الكلام الذي قيل عنها.

هكذا ترسخت صورة مؤسسة تبدو منشغلة بتدبير الواجهة أكثر من انشغالها بتغيير الواقع، ومسؤول يتقن لغة التقديم أكثر مما ينجح في وقف النزيف.

والأشد فداحة أن المقاربة التي طبعت هذه السنوات بدت أقرب إلى مطاردة المخالفات منها إلى بناء سلامة طرقية حقيقية وتوسعت شبكة الردارات، واشتدت اللغة الزجرية، وجرى تسويق المراقبة كما لو كانت العلاج المعجز، لكن الأرقام ظلت باردة وقاسية، لا تجامل أحداً.

إن الطريق لا تقرأ البلاغات، ولا تقتنع بالملصقات، ولا تعترف بالشعارات والطريق تعترف بالنتائج، والنتائج ظلت شاهدة ضد هذا المسار وضد من أشرف عليه.

ومع اتساع الغضب، بدا واضحا أن هناك من يبحث عن الحلقة الأضعف لتعليق الفشل عليها. وفجأة صار أصحاب الدراجات النارية، ولاسيما من الفئات الشعبية والمهمشة، في صدارة الاستهداف، وكأنهم وحدهم أصل المأساة الطرقية، وكأن الأعطاب البنيوية في السياسات العمومية، وفي البنية التحتية، وفي التدبير، وفي المراقبة، وفي الرؤية الشاملة للسلامة، كلها تفاصيل ثانوية لا تستحق النقاش.

هكذا جرى، في نظر كثير من المنتقدين، تحويل الأنظار من مساءلة الاختيارات الكبرى إلى الضغط على مواطنين محدودي الدخل، في محاولة مكشوفة لتجميل فشل عميق بماكياج زجري خشن.

الأخطر أن هذا المنحى لم يعد يقتصر على الردارات والغرامات، بل امتد إلى توسيع أدوار الوكالة نفسها في اتجاهات أثارت كثيراً من علامات الاستفهام.

وهنا ارتفع منسوب القلق من أن يتحول ملف السلامة الطرقية إلى مجال لتضخم النفوذ الإداري أكثر من كونه ورشا لإنقاذ الأرواح.

الوزراء يتغيرون، أما ناصر بولعجول فيظل جالساً في موقعه كأنه جزء من أثاث الوزارة لا من مسؤولياتها والوزير يرحل والاسم يبقى.

الحصيلة تتفاقم والاسم يبقى. الغضب يتوسع والاسم يبقى. كأن الرجل تحول إلى عنوان لاستمرارية غريبة في ملف كان يفترض أن تكون فيه النتيجة معياراً وحيداً للبقاء أو الرحيل.

ما يثير غضب المغاربة هو الإحساس بأن نزيف الطرق تحول، في منطق الإدارة، إلى أمر عادي يمكن التعايش معه، أو إلى رقم موسمي يمر داخل التقارير دون أن يزلزل بنية القرار.

كل سنة ضحايا، كل سنة وعود، كل سنة حملات، ثم لا شيء يتغير في العمق.

وعندما يجدد للمسؤول نفسه، يتعزز الإحساس بأن أرواح الضحايا لا تزن كثيراً داخل معادلة الاختيار، وأن الفشل يمكن إعادة تدويره ما دام يتحدث لغة المؤسسات ويجيد الاحتماء بقاموس الاستراتيجيات.

ناصر بولعجول لا يظهر كرجل قاد السلامة الطرقية إلى بر الأمان، وإنما كوجه التصق بمرحلة طويلة من العجز عن وقف نزيف الطرق (..) مرحلة كثرت فيها الخطط، وارتفعت فيها النبرة الرسمية، وتضخمت فيها أدوات الزجر، بينما خفتت قيمة النتيجة الفعلية على الأرض.

لذلك لم يعد الانتقاد الموجه إليه انفعالاً سياسياً طارئاً أو غضباً موسمياً، وإنما صار تعبيراً عن سؤال ثقيل يتردد كل يوم في وعي المغاربة: ما معنى أن يبقى المسؤول نفسه في مكانه بينما تستمر الطرق في القتل بالقسوة نفسها؟

الأمر يرتبط أيضاً بنموذج كامل في تدبير المسؤولية (..) نموذج يسمح ببقاء المسؤول رغم قسوة الحصيلة، ويمنح الاستمرار لمن لم ينجح في تحقيق الانعطافة المطلوبة، ويطلب من المغاربة أن يواصلوا الصبر بينما الإسفلت يواصل ابتلاع أرواحهم.

ولهذا صار اسم ناصر بولعجول، في نظر الكثيرين، أقل من أن يكون عنوانا للسلامة الطرقية، وأكثر من أن يكون رمزاً صارخاً لفشل إداري طويل، فشل لم يجد بعد من يملك الجرأة السياسية لوضع حد له.

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك