نزار بركة يبيع الوهم الانتخابي ويختبئ وراء لغة الإنجاز

خرج نزار بركة وزير التجهيز والماء، الأمين العام لحزب الاستقلال إلى برنامج “لقاء مع الصحافة” مساء 15 أبريل 2026 محملا بكثير من الكلام المريح، وبقدر أكبر من الرسائل السياسية التي بدت موجهة إلى صناديق شتنبر أكثر مما هي موجهة إلى المغاربة.

لقد تحدث عن الماء والطرقات والسدود، وأعلن أن نسبة ملء السدود بلغت 75 في المائة، واستعرض مشاريع وزارته، ثم انتقل بسلاسة إلى الأغلبية والانتخابات وميثاق الشباب وتزكيات حزب الاستقلال، في واقع يكشف أن الرجل لم يكن يجيب بقدر ما كان يطلق حملة انتخابية مبكرة من داخل موقعه الحكومي.

أراد نزار بركة الظهور في صورة الوزير المطمئن، والزعيم الحزبي الجاهز، والوسيط الذي يضبط التوازنات داخل نقابته، دفعة واحدة، حيث قال إن الأغلبية متماسكة، وإن حزبه شرع في التزكيات وصياغة البرنامج الانتخابي، وإن “ميثاق 11 يناير للشباب” صار أرضية العمل المقبلة، وإن أزمة الاتحاد العام للشغالين بالمغرب انتهت إلى مؤتمر استثنائي بعد إعلان النعم ميارة عدم الترشح.

وهنا تتضح الخيوط كلها: الوزير يتحدث، والمرشح يطل، وراعي الترتيبات الحزبية يثبت أقدامه، ومن يدير معارك الظل داخل البيت الاستقلالي يبعث إشاراته إلى الجميع.

لكن ما الذي بقي فعلا في يد المواطن بعد كل هذا الاستعراض؟ هل يكفي أن يقال إن السدود امتلأت حتى يشعر المغربي أن أزمة الماء انتهت؟ وهل يكفي الحديث عن مشاريع وطرق وموانئ حتى يقتنع الناس بأن العدالة المجالية تحققت فعلا؟ الخطاب الذي قدمه بركة يلمع الواجهة، ويؤجل الأسئلة الصعبة. لأن السياسة هنا لم تعد فن تدبير الحقيقة، وإنما صارت فن ترتيب الصورة، وتوزيع الأدوار، وتقديم النوايا على أنها إنجازات جاهزة.

إن هذا النوع من الخرجات أنه يحول العمل الحكومي إلى منصة دعاية حزبية ناعمة، حيث أن الوزير يتكلم من داخل السلطة التنفيذية، والحزب يجني العائد الانتخابي، والرسالة كلها مصممة لكي تقول إن حزب الاستقلال حاضر في الدولة، جاهز في الانتخابات، ممسك بخيوط نقابته، وقادر على مخاطبة الشباب بلغة جديدة.

وهذه ليست مصادفة، إنها هندسة سياسية كاملة. وحين يجري كل ذلك في توقيت يسبق استحقاقات 23 شتنبر، يصبح واضحا أن بركة يشتغل على معركة الصعود داخل المشهد، لا على مصارحة المغاربة بحجم الأعطاب التي ما تزال مفتوحة.

ثم إن الحديث عن الشباب بالصيغة التي يفضلها حزب الاستقلال يثير كثيرا من السخرية السياسية فالميثاق جميل في اللغة، أنيق في الشكل، واسع في العناوين، ويتحدث عن التعليم والصحة والشغل والمشاركة ومحاربة الفساد.

لكن الشباب المغربي لم يعد يطلب مواثيق مزخرفة، بل يريد أبوابا مفتوحة، ومؤسسات تحترمه، واقتصادا يمنحه مكانا تحت الشمس. هناك فرق هائل بين أن تكتب وثيقة وأن تصنع أملا. وهناك مسافة أكبر بين التوقيع على ميثاق وبين بناء ثقة انكسرت مرات كثيرة.

وفي ملف UGTM، تبدو الصورة أشد وضوحا. عندما ينتهي الاحتقان النقابي بمؤتمر استثنائي، ويخرج ميارة من السباق، ويبدأ اسم يوسف علاكوش في الصعود داخل النقاش العمومي، فإن الرسالة السياسية لا تحتاج إلى كثير شرح: هناك من أعاد ترتيب البيت، وهناك من يهيئ مرحلة ما بعد ميارة، وهناك من يريد ذراعا نقابية منضبطة مع الإيقاع الحزبي العام. وهذا معطى تنظيمي مشروع داخل منطق الأحزاب، لكنه يسقط كل ادعاء بالبراءة السياسية. ما جرى لم يكن هبة مؤسساتية نزلت من السماء، وإنما ثمرة ميزان قوة أعاد نزار بركة ضبطه بدقة.

لهذا كله، فإن خرجة نزار بركة كانت تمرينا في التسويق السياسي المكثف، وإعلانا هادئا عن بداية الاصطفاف الانتخابي، ورسالة داخلية إلى الحزب والنقابة والشباب والرأي العام. بركة لم يأت ليشرح المغرب كما هو، وإنما جاء ليقترح المغرب كما يريد أن يبيعه انتخابيا.

والمغاربة، الذين خبروا هذا النوع من الخطابات، يعرفون أن البلاغة لا تملأ الجيوب، وأن الأرقام لا تصنع الثقة وحدها، وأن السياسي الذي يكثر من ترتيب المشهد قد يربح الصورة، لكنه قد يخسر الامتحان الحقيقي حين تفتح الصناديق ويبدأ الحساب.

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك