عاد عبد الإله بنكيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية إلى لغة الحافة، مستحضرا قاموس “التيران” في مخاطبة السياسة، وموجها رسائل مشحونة نحو المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة، في خرجة تكشف محاولة زعيم “المصباح” استعادة حضوره عبر التصعيد واستدعاء ذاكرة الصدام، بدل تقديم عرض سياسي يجيب عن انتظارات المغاربة وأسئلة المرحلة.
وقال عبد الاله بنكيران، في مقطع نشره على صفحته بـ“فيسبوك”: “إلا بغيتوه عاوتاني يرجع، راه هو مستعد وباغي يرجع”، في إشارة إلى فؤاد عالي الهمة، مضيفا: “أنا ما عندي مانع، إلا رجع عاوتاني غا نرجعو حتى حنا لداكشي اللي كنا كانديرو من قبل”.
وأضاف رئيس الحكومة السابق: “هو دابا مستشار جلالة الملك، عندنا الوقار والاحترام اللازم لجلالة الملك وللمحيط ديالو. إلا رجع معانا للسياسة غانهبطو للميدان كاملين، باش زعما تكون الأمور واضحة، إلا كنتو كاتسمعو وتفهمو آش كنقول”.
هذه الخرجة تعيد عبد الاله بنكيران إلى الأسلوب الذي اعتاد الاشتغال به، والقائم على رفع منسوب التوتر واستدعاء أسماء ذات رمزية قوية من أجل تحريك النقاش العمومي، في وقت يواجه فيه حزبه حاجة ملحة إلى خطاب جديد وبرنامج قادر على استرجاع الثقة السياسية.
فالرئيس السابق للحكومة يختار مرة أخرى منصة التواصل الاجتماعي ساحة للرسائل الثقيلة، مفضلا الإثارة السياسية على النقاش الهادئ، وهو ما يكشف استمرار الرهان على الضجيج بدل البناء الحزبي الهادئ والمؤطر.
كما أن توجيه الخطاب نحو محيط المؤسسة الملكية يضع النقاش السياسي في منطقة دقيقة، لأن التنافس الحزبي له ساحاته الطبيعية المرتبطة بالبرامج والاختيارات العمومية، لا باستدعاء أسماء مؤسساتية في سياق سجالي.
ويبدو أن عبد الاله بنكيران يراهن على إعادة تعبئة جزء من قواعده عبر استحضار معارك الماضي، وإحياء صورة السياسي الذي لا يتردد في المواجهة، غير أن السياق الحالي مختلف، والناخب المغربي يبحث عن حلول للغلاء والشغل والتعليم والصحة أكثر من بحثه عن خطابات الصدام.
داخل حزب العدالة والتنمية نفسه، تطرح هذه الخرجات سؤالا جوهريا حول الاتجاه الذي يسلكه الحزب: هل يريد فتح صفحة جديدة تتجاوز آثار السقوط الانتخابي، أم يصر على البقاء أسير خطاب المواجهة الذي استهلك كثيرا من رصيده؟
إن روح “تمغربيت” تفرض على عبد الإله بنكيران خطابا يصون الثقة في المؤسسات ويضع مصلحة البلاد فوق حسابات السجال. فالمغرب لا يحتاج عودة إلى معارك الأمس، وإنما إلى سياسة مسؤولة تنصت للمواطن وتبني الأمل وتخدم الوطن.
كما أن رهانات المرحلة المقبلة، تحتاج إلى أحزاب تملك أجوبة واضحة وبرامج قابلة للتنفيذ، لا إلى خطابات تستدعي التوتر وتعيد تدوير صراعات الماضي. فالمستقبل السياسي سيكسبه من يقنع المغاربة بالحلول، لا من يرفع منسوب الضجيج.