تشهد الأوساط الإسبانية اهتماما متزايدا بالتحولات الجارية في موازين القوة العسكرية بين المغرب وإسبانيا، في سياق يتسم بهدوء دبلوماسي أعقب التحول الذي شهدته مدريد بخصوص ملف الصحراء، مقابل مؤشرات دفاعية توحي بوجود تنافس استراتيجي هادئ في غرب البحر الأبيض المتوسط.
وتفيد تقارير وتحليلات صادرة عن مراكز أبحاث ووسائل إعلام إسبانية متخصصة في الشؤون الدفاعية بأن المغرب يواصل تسريع وتيرة تحديث قدراته العسكرية، بميزانية تناهز 13 مليار دولار، أي ما يزيد عن 4 في المائة من ناتجه الداخلي الإجمالي، وهو معدل مرتفع نسبيا يعكس أولوية واضحة للإنفاق الدفاعي ضمن السياسات العمومية للمملكة.
في المقابل، تخصص إسبانيا اعتمادات أكبر من حيث القيمة المطلقة، تقدر بنحو 33,123 مليار يورو، غير أنها تمثل قرابة 2 في المائة من ناتجها الداخلي، ما يعكس اختلافا في العبء النسبي للإنفاق الدفاعي داخل الاقتصادين، ويبرز تباينا في مقاربة بناء القوة العسكرية.
ووفق تصنيف Global Firepower لسنة 2025، تحتل إسبانيا المرتبة 17 عالميا، مقابل المرتبة 59 للمغرب. غير أن القراءة التفصيلية بحسب المجالات العملياتية تشير إلى أن الفجوة، رغم استمرارها، تشهد تضييقا تدريجيا في بعض القطاعات.
فعلى المستوى البري، يتوفر المغرب على 903 دبابات قتالية، من بينها طرازات حديثة من نوع “أبرامز”، إلى جانب نماذج صينية وروسية، مقابل 317 دبابة لدى إسبانيا، يشكل طراز Leopard 2E عمودها الفقري بعدد 219 وحدة، ويعتبر من بين الأكثر تطورا تكنولوجيا. ويعكس هذا المعطى تفوقا عدديا للمغرب مقابل تفوق نوعي لإسبانيا.
وفي ما يتعلق بالعربات المدرعة وناقلات الجند، تتوفر إسبانيا على أكثر من 17.600 وحدة، ضمنها أجيال حديثة، مقابل نحو 7.800 وحدة لدى المغرب، ما يعكس توازنا مركبا بين الكتلة العددية المغربية والتحديث التقني الإسباني.
أما في المجال الجوي، فيضم سلاح الجو الإسباني 70 مقاتلة من طراز Eurofighter Typhoon من الجيل 4.5، في حين دخل المغرب مرحلة تحديث متسارعة عبر اقتناء 25 مقاتلة F-16 Block 70/72، إضافة إلى مفاوضات لتعزيز أسطوله بمقاتلات Mirage 2000-9. كما يبرز المغرب تقدما عدديا في مجال الطائرات دون طيار، بنحو 230 نظاما غير مأهول، مقابل تركيز إسبانيا على أنظمة أكثر تخصصا مثل MQ-9A Reaper ومشروع SIRTAP المستقبلي.
وفي المجال البحري، يظهر تفاوت واضح في طبيعة القدرات، إذ تعتمد البحرية الإسبانية على أسطول متعدد المهام يمتد من الدفاع الساحلي إلى العمليات البعيدة، مع تفوق في الإزاحة البحرية الإجمالية يقارب سبعة أضعاف نظيرتها المغربية، مستندة إلى قطع رئيسية من بينها حاملة الطائرات “خوان كارلوس” وغواصات الفئة S-80. في المقابل، تركز البحرية المغربية على تأمين السواحل والمجال البحري القريب، دون توفرها حاليا على سلاح غواصات.
وتعكس هذه المعطيات، وفق متابعين، اختلافا في الرؤية الاستراتيجية بين البلدين، حيث تميل إسبانيا إلى الحفاظ على قدرات إسقاط قوة إقليمية وأوروبية أوسع، بينما يركز المغرب على تعزيز الردع الإقليمي وتأمين محيطه الاستراتيجي المباشر، في سياق إقليمي ودولي يشهد تحولات متسارعة في معادلات الأمن والدفاع.