هاشتاغ
مع حلول كل صيف، تعود آلاف الأسر المغربية المقيمة بالخارج محملة بحقائب مليئة بالهدايا والمنتجات القادمة من أوروبا. شوكولاتة، قهوة، حفاضات أطفال، مستحضرات تجميل ومواد غذائية، رغم أن معظمها متوفر في الأسواق المغربية. هذه العادة التي تبدو مألوفة تخفي وراءها، بحسب متخصصين، أبعاداً نفسية واجتماعية تتجاوز مجرد اختلاف الجودة أو الأسعار.
وفي هذا السياق، سلط الطبيب النفسي والمتخصص في علم النفس السريري وعلاج الأورام، وديع روندالي، الضوء على ما يعرف في الأدبيات العلمية بـ”النزعة إلى تفضيل المنتجات الأجنبية” (Xenocentrism)، وهي ظاهرة تجعل المستهلك يميل إلى اختيار المنتج المستورد لمجرد أنه قادم من الخارج، وليس بالضرورة لأنه أفضل من نظيره المحلي.
وأوضح روندالي أن هذه الظاهرة لا ترتبط فقط بالرغبة في اقتناء علامة تجارية أجنبية، بل تعكس في كثير من الأحيان تصورات اجتماعية متجذرة حول قيمة المنتج المحلي مقارنة بالمستورد، وهي تصورات تشكلت عبر عوامل تاريخية وثقافية وإعلامية، من بينها الإرث الاستعماري، وتأثير الجالية المغربية المقيمة بالخارج، والانفتاح الواسع على أنماط الاستهلاك العالمية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وأشار إلى أن الدراسات الدولية أظهرت أن المستهلكين في عدد من الدول يفضلون أحياناً المنتجات الأجنبية حتى عندما تكون أغلى ثمناً أو لا تتفوق من حيث الجودة، بسبب الصورة الذهنية الإيجابية المرتبطة ببلد المنشأ.
ورغم عدم وجود دراسة ميدانية خاصة بالمغرب حول هذه الظاهرة، فإن العديد من المؤشرات الاجتماعية توحي بحضورها داخل المجتمع المغربي، خصوصاً خلال موسم عودة أفراد الجالية.
و استند المتخصص إلى دراسة نُشرت سنة 2025 في Journal of International Marketing، خلصت إلى أن التفضيل المبالغ فيه للمنتجات الأجنبية قد يرتبط بانخفاض تقدير الفرد لذاته أو لمحيطه، حيث يصبح استهلاك العلامات الأجنبية وسيلة لتعزيز الشعور بالقيمة الاجتماعية والانتماء إلى نمط حياة يُنظر إليه على أنه أكثر مكانة.
ويرى روندالي أن معالجة هذه الظاهرة لا تتحقق عبر الدعوات العاطفية إلى استهلاك المنتج الوطني فقط، وإنما من خلال تعزيز ثقة المستهلك في جودة المنتجات والخدمات المحلية، وتحسين أداء المؤسسات، بما يرسخ قناعة عملية بأن المنتج المغربي قادر على المنافسة وكسب ثقة المواطن.
وتثير هذه القراءة النفسية للنمط الاستهلاكي نقاشاً أوسع حول العلاقة بين الهوية والثقة في الإنتاج الوطني، خاصة في ظل التطور الذي تعرفه الصناعة المغربية خلال السنوات الأخيرة، وارتفاع جودة العديد من المنتجات المحلية التي أصبحت تنافس في الأسواق الدولية.
ويؤكد مختصون أن بناء الثقة في المنتج الوطني يظل رهيناً بجودة مستدامة وتجربة استهلاكية إيجابية، بما يجعل اختيار المستهلك قائماً على معايير الأداء والقيمة، وليس فقط على بلد المنشأ أو الصورة الذهنية المرتبطة به.