يُوتوبْراتْ “الأشياء الأخرى” الذين راكموا الثروات من الابتزاز والتشهير ويدّعون النفوذ والاستقواء بـ”الفوق”

ما نعيشه اليوم من استلاب وانحطاط رقمي لم يُصنع صدفة، وإنما أفرزته بيئة ملغومة بالتفاهة والسهولة، لينبثق من رحم مزابل الفراغ صنف مشوه من الكائنات الافتراضية التي أُطلق عليها بحق «يوتوبرات الأشياء الأخرى».

أولئك الصعاليك الرقميون وحشرات الإنترنت الذين تسللوا إلى شاشات المغاربة ليركبوا موجة الفراغ ويعتلوا صهوة الجهل، بعد أن قدموا من لا شيء، فلم يجدوا مكاناً في الحياة ولا حظُوا باهتمام المؤسسات، ولا حتى أبسط معاهد التكوين المهني، وبينهم من غادر السلك الإعدادي من دون أن يظفر بشهادة تعليمية، قبل أن تحوم حول بعضهم شبهات ادعاء مؤهلات ووثائق تفتقر إلى المصداقية و«أشياء أخرى»، لولا أن احتضنهم «يوتيوب» كأبناء شرعيين للتفاهة، فتفننوا في استغلاله، وبرعوا في تحويله إلى منصة للابتزاز الرخيص.

انطلق الواحد منهم من الحضيض الصرف، حافي القدمين فكرياً ومادياً، لا يملك منطوقاً سليماً ولا رصيداً أخلاقياً، ليخرج علينا بملامح متبلورة من الوقاحة المطلقة، جالساً أمام كاميرا هاتف رخيص ليوجه دروساً مجانية ومبتذلة للمغاربة في «الأشياء الأخرى» وفي كل كبيرة وصغيرة، مدعياً علماً وجهلاً لا يملكه إلا السفهاء، ومتخذاً من العُجب والغرور مطية، ومن ادعاء امتلاك مفاتيح معرفة كل شيء سلاحاً، ومن الاستعراض البهلواني غاية.

وهو العاجز حتى عن صياغة جملة مفيدة أو امتلاك أبسط مقومات الفكر لتأهيله حتى لدخول أبسط دكان حِرَفي، فما بالك بأن يكون وصياً على أمة بأكملها أو ناقلاً لرسالة تنويرية، فأنت أمام عقلية خاوية تماماً، تعتاض عن الفكر بالصراخ، وعن الحجة بالتهريج، وعن الرصانة بالاستجداء الرخيص لعدد المشاهدات والإعجابات التي تقيم ميزان وجودهم الهش.

لقد تحول هؤلاء النكرة بقدرة قادر إلى «مليونيرات» مفاجئين، فصارت ثروتهم الفلكية المشبوهة محط تساؤلات ملحّة تصرخ في وجه كل من يهمه الأمر: من أين لك هذا؟ وكيف تكونت هذه الثروة المرعبة بين عشية وضحاها؟

إنها إجابة لا تحتاج إلى عناء التفكير، فهي مسدودة الأفق ولا تخرج عن صفقات الابتزاز المقيتة، وإرهاب تجار «تلك الأشياء الأخرى» والبسطاء، إضافة إلى أولئك السياسيين “اللي في كرشهم العجينة” أو المغلوب على أمرهم، ممن يُساومون في كرامتهم وأرزاقهم تحت التهديد بالتشهير والفضائح لرفض الخضوع لإتاواتهم الرقمية، مستقوين ببطولات خيالية وعلاقات وهمية يزعمون نسجها مع من هم «اللي الفوق» ومن هم «اللي التحت» لبث الرعب وحماية إمبراطورياتهم المبنية على العار والسحت.

وفي هذا الموضع يكمن السقوط الأخلاقي الأبشع؛ فهؤلاء المرتزقة ممسوخو الضمائر لن تجدهم يوماً يدافعون عن الوطن بصدق، أو يحملون هماً حقيقياً لمصلحته العليا، وإنما تظل ألسنتهم خرساء ومواقفهم مدفوعة الثمن إلى أن تمس مصالحهم الشخصية المقيّتة أو تُمس جيوبهم الممتلئة بالسحت.

وعندئذ تنقلب حشرجاتهم إلى صرخات جوفاء يتباكون فيها زيفاً، ليظهروا بمظهر «المدافع الشرس» عن أشياء وهمية، وهم في الحقيقة يدافعون عن شبكة مصالحهم الخاصة وامتيازاتهم المكتسبة من استنزاف العباد وترهيبهم، فتراهم يستجدون التعاطف الرخيص بدموع إبليس، متناسين أن تاريخهم الأسود المفضوح أثقل من أن تحمله جبال من النفاق.

لقد تجاوزت وقاحتهم كل الحدود لتتحول إلى عصابات إجرامية منظمة ترتدي قناع الصحافة وتتستر خلف حرية التعبير، بينما تمارس أبشع أنواع البلطجة الصحفية؛ إذ تتناثر فضائحهم المدوية بالصوت في جلسات العربدة ومقارعة الكؤوس مع تجار «تلك الأشياء»، وتتجسد بالصورة الفاضحة في لقاءات مريبة تعقد في تلك الصالونات، حيث تُحمل الحقائب المثقلة بالعملات، وتُتبادل العطايا الدنيئة، وتُصفق الصفقات القذرة فوق أشلاء كرامة الوطن وعقول الشباب، في صورة سوريالية تجسد انحطاطاً لا سابق له في تاريخ الإعلام البديل.

واليوم، انقشعت غشاوة التضليل وسقطت آخر أوراق التوت عن عوراتهم، فما عادت هذه القضايا الموبوءة محض تساؤلات عارضة، وإنما تحولت إلى بركان وطني غاضب ومعركة وجودية فاصلة تقتضي الفتح الفوري والصارم بلا رحمة لدفاتر هؤلاء الدجاجلة والسماسرة.

إنها ساعة الصفر لفرض اجتثاث شعبي وتطهير مجتمعي يقتلع هذه الأورام الخبيثة من جذورها، ويرمي بها صاغرة إلى مقبرة التاريخ ومهوى مزابل النسيان الأبدي، حيث لا صوت يعلو فوق صوت العدالة، بعيداً عن عيون المغاربة الذين لفظوهم إلى الأبد، وأيقنوا يقيناً راسخاً أن هؤلاء «الرويبضات» المأفونين ما هم إلا نجاسة رقمية وبقايا نفايات أفرزتها قاذورات الفراغ، وجب كنسها بلا هوادة ولا شفقة لتطهير الفضاء العام، وصون الوعي الجماعي للأمة من سمومهم المسرطنة وأكاذيبهم المفضوحة.

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك